حتى الساعة .. لستم مثله
كتب حسن عصفور/ ما إن يحقق حزب العدالة التركي بقيادة أردوغان أي مكسب أو نصر، حتى تتسارع بعض القوى الإسلامية في بلادنا، خاصة بعض تيارات الإخوان المسلمين وكتابهم بالتباهي الشديد بما تحقق في تركيا، يسارعون بالاحتفالات والتغني بما تحقق بقيادة رجل اختار تركيا أولا ضمن رؤية سياسية اقتصادية شاملة، كل الطرق تخدم نهضة تركيا المعاصرة المتجهة بقوة للغرب من قلب العالم الإسلامي، يسارع البعض من هؤلاء بالإشادة بما تم من نصر وربح ومكاسب، وهو ما حدث بعد الانتصار الكبير الذي تم في الانتخابات التركية، وحصل فيها حزب أردوغان على أغلبية مذهلة فاقت نصف البرلمان، تمكنه من تحقيق تشكيل حكومة بارتياح شديد، نصر للمرة الثالثة تحيل أردوغان إلى رمز سياسي معاصر، قد لا يتكرر كثيرا في دولة لها سمات سياسية خاصة..
يسارع البعض إلى التباهي بما يتحقق في تركيا، وهي بلا حق تجربة سياسية – اقتصادية مهمة لبلد إسلامي، تمكن حزب العدالة بقيادة رمزه الحديث من رفع مكانة تركيا الاستراتيجي إلى وضع لم تحتله منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، رغم كل ما يقال عن منجزات أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، لكن ما حدث لتركيا في 'العصر الأردوغاني' هو جديد وخاص، حيث استطاع الارتقاء في الاقتصاد إلى درجات لم يسبق أن شهدها الاقتصاد التركي وبنسبة نمو توازي ما للصين بنسبة تقارب الـ9% سنويا، وهي نسبة خارقة قياسا بما كان سابقا، ورسم رؤية شاملة لتطور ونهضة تركيا علميا وتقنيا، قواعد اقتصادية كانت كفيلة بتحقيق ما يشبه 'المعجزة' التي حدثت في بلاد كماليزيا والبرازيل، حزب بقيادة قائد من طراز يعرف كيف يصوغ الوطني بالدولي، السياسي بالاقتصادي، الحرية بمصالح وأمن تركيا، الديمقراطية والدين، مصلحة البلد وعلاقة المحيط، توازنات السلطة والشعب، الحزب والدولة، المظهر العام للدولة التركية وقواعد العمل العام، كثيرة تلك المرتكزات التي تأسست عليها الرؤية المعاصرة لحزب أردوغان، لم يذهب للشعارات دون أن يدرك أنه بالإمكان تحقيقها.. وكان له أكثر مما توقع خلال جولات انتخابية ثلاث، انتصارات متلاحقة تفوق كل ما لغيرها من قوى وأحزاب..
من راقب الحملة الانتخابية التركية سيعرف أن الطريق لحزب لكي ينتصر ليس رهنا بقوة أمنية أو إرهاب عسكري أو ابتزاز باستخدام الدين وشعارات التكفير والتخوين، وإطلاق مظاهر خادعة، حزب اتجه مباشرة للكلام عن مصالح الناس وقضاياهم المباشرة، لم تأخذه شكليات يتمسك بها البعض، بل عرض كل ما يعتقد أن المواطن التركي بكل طبقاته وفئاته وقومياته يريده، ذهب إلى الناس ولم ينتظر أن يحضروا له.. حزب يبحث الانتصار من الشعب وليس من غيره .. وكان يوم النصر درسا سياسيا بامتياز عندما وقف وزوجته المحجبة المتدينة بتواضع ليغنيا سويا فرحا بانتصار حزبهم واستمرار مخططهم الإصلاحي، لحظة لم نرها أبدا في أحزاب تريد أن تمنح نفسها 'تماثلا' مخادعا لحزب أردوغان..
هل يدرك من يريد التباهي في بلادنا أن حزب أردوغان يرتكز على أسس علمانية في إدارة البلاد، ولا يستخدم الدين كسلاح انتخابي وسياسي، هو مرجعية عامة للبلاد بأسرها وليس حكرا لحزب .. هل يعلم هؤلاء أن أساس النجاح هو تقديم ما يفيد الناس وليس غير ذلك، وكل ما يخدم تركيا يقوم به، حتى خطاب النصر كان به كل ما يخدم تركيا عندما تحدث عن مدن عالمية تحتفي بنصر حزبه، رسالة تعيد لتركيا عمقها الإسلامي لتخدم مكانتها التي تريد في القارة الأوروبية، قائد يدرك كيف يستفيد من كل لحظة لتعزيز مكانة بلده وتحت قيادة حزبه ..
ليتكم تكونون مثله قولا وفعلا ومظهرا.. فتجاربكم الأولى لا صلة لها بما هو عندهم هناك في تركيا.. وقراءة مسيرة السودان وقبلها الجزائر وبعدها سلوك حماس في قطاع غزة .. ستدركون أن ليس بالقول يكون التماثل..
نصر أردوغاني جديد بطموح زعامة تخرج بعيدا من عمق التاريخ ..
ملاحظة: تأجل الإعلان عن ما تم الاتفاق علية إلى لقاء قمة 'عباس' و 'مشعل' .. هل نشهد نهاية فيلم فتحاوي – حمساوي لمأساة الانقسام .. ننتظر أسبوعا ونتمنى أن يكون نهاية العرض الذي بات مملا وخطرا..
تنويه خاص: أوروبا تقول بأنها ستتقدم بـ'مبادرة سياسية جديدة' .. يبدو أن المبادرات تتوالد من رحم واشنطن السياسي .. هدفها ليس الدولة ولكن حصار مشروع ولادة الدولة.. نتمنى أن يدرك ذلك من يناور بالأمم المتحدة ..
تاريخ : 15/6/2011م
