أوراق بشار الأخيرة...

تابعنا على:   16:44 2014-12-21

كتب حسن عصفور/ يوما بعد آخر، وكلما انتشرت دماء سورية على أسفلت طريق الإصلاح والتغيير من كلا الجانبين، تزداد تعقيدات البحث للخلاص من المأزق الذي أدخل النظام السوري ذاته به دون 'حساب' موضوعي للأحداث، أو قراءة العمق الكامن في طبيعة الحراك الشعبي ،بعيدا عن 'شعارات وأقوال' سادت المشهد العام في بلاد الشام، ما أدى الحكم للاعتقاد بأن الهدوء والسكينة وعدم التعبير الجاد عن الخلاف ليس سوى وجه للتأييد لسياسة النظام، ما أوصلهم للغرق في بحر 'الركود الإصلاحي المجتمعي – السياسي'، وغابت القدرة على قراءة ما هو ضرورة لتعديل مسار العلاقة بين الحكم والمحكوم بما يخدم التقدم والتطور، في سياق النظام وليس بعيدا عنه، رغم أن ما توفر لسوريا من شبكة علاقات عربية ودولية لمنحها فرصة إجراء 'إصلاح ديمقراطي' ربما كان يمكن أن يصبح 'نموذجا للآخرين' قبل الأحداث وليس وفقا لمسارها الراهن.

الأحداث في سوريا تتجه إلى حالة من 'الصدام الحاد' إن تواصل التعاطي مع مسار الأحداث وفقا للآلية الأمنية التي اختارها الحكم، مصحوبة بتعميم مفاهيم لا يمكنها أن تقدم سياج حماية للنظام والحكم القائم، وكأن هناك إصرارا غريبا على 'تعمية العقل والرؤية' عن إجراء 'وقفة شاملة' بعيدا عن تلك الآلة التي سيطرت طوال عهود، وأنتجت المشهد الحالي في سوريا، ما قد يهدد الوجود الحالي للقيادة الحاكمة، التي ما زالت تعيش في حالة من 'السرحان السياسي' لجوهر وطبيعة الأحداث، بل إنه هناك عوامل تتفاعل داخل 'الأزمة السورية' بحيث تتجاوز الحدود الأولية، تنتقل بسرعة إلى أن تصبح 'مسألة إقليمية' تهدد السلام الإقليمي وفقا للمصطلح الأمريكي – التركي، حتى وصل التهديد بعدم التفرج والسكوت على مسار الأحداث علانية، وهناك مؤشرات تتم دراستها لـخلق (منطقة أمنية عازلة) و(منطقة حظر طيران) سوري عليها، مقدمة لصنع 'بنغازي جديدة'، تطورات سياسية تتم مناقشتها في أروقة ( مجالس الأمن القومي) في أكثر من بلد وفي المقدمة تركيا وتل أبيب وواشنطن، تطورات متسارعة لن تتوقف ما لم تدرك القيادة السورية أن هناك ما هو أكثر ضرورة وإلحاحا للعمل من 'خطاب المعلم'، الذي شكل تعبيرا هزليا للكارثة المنتظرة..

ويبدو أن البعض السوري ما زال يراهن على 'الدور الأمريكي' لمنع وصول التطورات في سوريا كغيرها من سوابقها، حتى روسيا لا تشكل فعليا ضمانة كافية لمنع ما يتم التحضير لها شمال سوريا وجنوب تركيا، فرهان البعض على الدور الأمريكي، تمثل في تناسي الوزير وليد المعلم أي شارة للدور الأمريكي والتحريض العلني من الإدارة، واعتقدوا أن ما يقوم به السفير الأمريكي في العاصمة السورية، عبر اتصالات يجريها مع 'أطراف معارضة محلية' وبعض من أركان النظام، وما يشاع عن وجود 'وثيقة كندية' بالتعاون مع واشنطن لإيجاد مخرج للأزمة السورية، دليل على أن واشنطن لم تقطع بعد رهانها الأخير على 'الدور السوري الإقليمي' المراد، خاصة لجهة الملف الفلسطيني والإسرائيلي وكذلك اللبناني، هناك أوهام سياسية غير مشروعة ينشرها بعض من هم في مؤسسة الحكم السورية للدور الأمريكي.. 'خديعة معاصرة' ، لكنها على ما يبدو لا تزال قائمة، ومؤشر خطاب ورسائل وغضب 'المعلم' وصل إلى الأركان كافة، وخاصة أوروبا وتركيا، لكنه لم يصل لواشنطن بعد.. ولا يمكن وصف ذلك بحالة فقدان ذاكرة، أو نسيان في زحمة الأحداث التي تنهال على سوريا والمنطقة..

وتجاوزا لتلك الحالة الوهمية التي قد يعتقدها بعض قادة النظام، فما يجري البحث به يشكل خطرا'وجوديا' للدولة السورية قبل النظام، وهو ليس قولا مجازيا بل نتاج لما يتم الإشارة إليه من آن لآخر، وبينها 'المنطقة الأمنية العازلة' على الحدود مع تركيا وفي قلب الأرض السورية، تستخدم بعضا من 'نصوص اتفاقية أضنة' العام 1998 والتي تسمح للقوات التركية بالعمل داخل أرض سوريا لعمق 5 كيلومترات، ورغم نصوص التقيد الواردة في نص الاتفاقية ، لكن هناك ما يمكن خلقه مع العمل العسكري السوري اليومي في المناطق الحدودية، وما يمكن أن يتجه لمصيدة تقيمها بعض أطراف' المعارضة السورية' التي اتجهت للعمل العسكري، وخاصة بعد أن أعلن الإخوان المسلمون في سوريا عن وجود 'خلايا مسلحة' تابعة لهم، سمحوا لإحدى الوكالات الإخبارية بتصويرهم على الحدود مع تركيا، مؤشر سيكون له دور مهم في تحويل دفة المواجهة وطبيعتها لاحقا، لو لم يستدرك النظام بعضا من كيفية قطع الطريق على المناورة الآتية، وفقا لسير الأحداث الميدانية، عسكريا – أمنيا وسياسيا.. وإن تم مرافقة ذلك مع فرض حظر طيران على مناطق محددة ، سيكون التوجه نحو بداية خلق وقائع تقسيمية باسم البعد الإنساني داخل الوطن السوري..

المشهد لم يعد به كثير من الطلاسم والألغاز، بل إن الأطراف الدولية التي تناوئ النظام السوري وطريقته، ترسم تكتيكها في إطار رؤية استراتيجية، وفقا لكيفية تعاطي القيادة السورية مع مسار الأحداث، ولذا بعد خطابي الأسد والمعلم الأخيرين، تصاعدت الحالة الهجومية وذهب بعض الأطراف في إظهار بعض من 'الأسرار' التي تخفيها دوائرهم، وبلا شك كان خطاب 'الاحتمالات الهندسية' للرئيس بشار وكذلك خطاب (النموذج المنتظر) للوزير المعلم، عوامل مساعدة للبحث فيما سيكون من خطوات قادمة ضد سوريا والقيادة الحاكمة..والرهان على الموقف الروسي ليس في مكانه من الناحية الاستراتيجية، ومجلس الأمن ليس 'الخيار الوحيد' للبدء في تنفيذ 'المرحلة الهجومية' من مخطط التطويق والتقسيم الميداني، هو خيار دولي له الأولوية صحيح ، لكنه ليس النهاية، فهناك الاتفاقية التي تجاهلها المسؤولون في سوريا ( اتفاقية أضنة)، وبحيث يمكنها أن تكون بديلا عمليا لمجلس الأمن، باعتبارها 'حصان طروادة' التركي.. وعندها لن يكون للموقف الروسي تأثير جوهري على سير الأحداث، إلا إذا اعتقد البعض أنهم سيدخلون معركة حربية من أجل إنقاذ الحكم السوري، وهو ليس سوى وهم عاشته بعض الأطراف العربية يوم أن كان 'الاتحاد السوفيتي' قائما، وليس روسيا الحالية..

ولذا، لم يعد لبشار والقيادة السورية الكثير لفعله لو أريد البحث عن 'إنقاذ بلد ووطن وقبل القيادة'، الخيارات تضيق جدا،والوقت أيضا، سوريا أمام مفترق طرق وعلى القيادة الخيار: إما الخروج المباشر بخريطة طريق إصلاحية حقيقية محددة الخطوات والرؤى، بشكل متواز وليس متواليا، بعيدا عن 'نظرية الاحتمالات الهندسية للخطاب الأول'، طريق له أول بزمن وآخر بزمن، وفي غضون فترة ملموسة، ومعها يتم اتخاذ الخطوات التي يشعر معها أهل سوريا أن هناك 'مصداقية' فيما هو معلن، بعيدا عن مظاهرات التأييد مهما كان حجمها.. وإن لم تر القيادة السورية ضرورة لذلك ، فعليها اللجوء إلى ما ألمح إليه رامي مخلوف يوما، التهديد الاستراتيجي للاستقرار الإقليمي ، الذهاب إلى المواجهة الحربية – الشعبية الشاملة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي عبر جبهتي الجولان والجنوب اللبناني، فقد يكون ذلك 'الإنقاذ للقيادة السورية'، لكنه قد يكلف سوريا أكثر مما هو مرسوم لها في دوائر التقسيم والتفتيت .. خيار له صدى شعبي مدو، لكن هل بالإمكان أن يكون .. نظريا نعم، وفقا لما يتم الحديث عنه دوما من قدرات عسكرية وتحضير للمعركة الأكبر.. ولما يتم نشره عن القدرة الإيرانية وتسليحها وكذلك حزب الله، وافتراضا قوة حماس العسكرية، احتمال نظري ممكن جدا .. لكن هل يكون هو الخيار الأخير.. هل يصل المشهد إلى نهايته عبر' خيار أكون أو لا أكون' .. لحظة الحقيقة هل تكون.. التمنيات بأن تكون علها تزيل كابوس مخاطر المحتل والمقسم والمفتت المرتقب.. ولكن هل تحدث حقا..؟!! سؤال جوابه في علم (الاحتمالات الهندسية) أيضا..

ملاحظة: 'عقبات المصالحة' الفلسطينية تطل برأسها ..طريقة علاجها لا تبشر بأن الأمور تتجه إلى نهاية مبشرة لأهل فلسطين في القريب العاجل..

تاريخ : 26/6/2011م    

اخر الأخبار