'المسألة الليبية' وكشف لثغرات الواقع..

تابعنا على:   12:51 2014-12-21

كتب حسن عصفور/تمنى الكثير من أبناء الأمة أن يكون الحراك الشعبي الليبي نمطا مكملا لما كان في تونس فمصر ( النموذج الذي بات فريدا في حراكه ) ، وما يحدث في اليمن والمغرب وغيرها ، لم يتوقع أحد أن ينجح القذافي بسرعة يحسد عليها في نصب كمين كبير للمعارضة وجرها إلى ساحة السلاح ، كخيار لحسم عسكري،اعتقد بعض من هرب من 'معسكر العقيد' إلى 'معسكر بنغازي – المستشار' أنهم أقدر على الحسم المسلح ، وبدأت دون تأخير تبرز لعبة العقيد الذكية ، فأنهى البعد الشعبي للتحرك من المشهد الإعلامي كليا ، سوى مشهد صلاة الجمعة في بنغازي وما يليها من هتافات ، وباتت المسألة أي قوة تمكنت من تحقيق 'تقدم' و'حررت' بلد أو قرية أو مدينة، حتى وصل الأمر بقادة المعارضة إلى منح العقيد مهلة زمنية لن تتجاوز الـ72 ساعة وإلا ستنقض قواتها العسكرية لتطهير طرابلس ومقره في العزيزية بعد أن سيطرت على 90% من البلاد ( كما تحدث رئيس أركان حربهم اللواء يونس)، واستعدت الدول لتوقيع اتفاقيات نفطية جديدة ، مع القائد الجديد القادم من شرق البلاد لغربها مع مجلسه الانتقالي ، وشحنت محطات التلفزة طواقمها بكادرات جديدة متعددة اللهجات العربية لتسجل 'النصر التاريخي' ..

وفجأة بدأنا نسمع لهجة ومطالب من شرق البلاد ومجلسها الانتقالي ، يحث الخطى الدولية كي يستعجل خطواته للقضاء على 'الطاغية' و'مجرم الحرب' ومرتكب أبشع الجرائم الإنسانية والتي وصلت وفقا لتقارير المجلس الانتقالي البديل للعقيد إلى ما يقارب 6 آلاف قتيل ، دون أن نرى دليلا جادا على صدق تلك الأرقام ، حالة أعادت للذاكرة تلك الصورة التي رافقت الحملة الأمريكية الدولية ضد الرئيس السوداني حسن البشير وارتكابه جرائم حرب وصلت في كارفور وحدها إلى ما يزيد على 100ألف مواطن سوداني تم قتلهم ، ما أجبر العالم على الانصياع لقرار ملاحقة البشير باعتباره مجرم حرب ومطلوب للعدالة .. ( طبعا الآن لا يوجد لتلك الحملة والأرقام من أثر بل إن بعضا من أعداء القذافي اليوم حلفاء للبشير ويشيدون بحكمه رغم قهره لقوى المعارضة ومسؤوليته عن فصل الجنوب عن الشمال، وتناسوا كلية جرائم الحرب تلك) ..

وبلا أي حالة خجل بات طلب الاستقواء بالأجنبي الاستعماري وقواته الأطلسية 'حلما وطنيا' يجاهر به البعض ' الثائر' اليوم للخلاص من ظلم وقمع وجور العقيد وعائلته ، وهنا تبدأ الكارثة التي تعيد مجددا بشكل أو بآخر ما حدث يوما مع وقوع البعض في فخ 'الخلاص من صدام وإرهابه' فلجأ إلى التحالف مع الاستعمار الأمريكي وبلاد فارس الطائفية للخلاص من 'حكم صدام' ، وها نحن نشهد العراق وما حل به ، وما يشكله من 'النموذج الديمقراطي للطائفية الجديدة' ، مشهد ليس مختلفا كثيرا لو عاد البعض إلى الوراء قليلا وقرأ ما قال البعض وما نشر من ذرائع ومبررات للتحالف مع الغرب الاستعماري ، سيجد ما يتماثل مع ما يريد البعض من أنصار التغيير الليبي ، وتحالفهم العربي ، أصبح الطلب ليس حراكا شعبيا جماهيريا كما اليمن مثلا ، رغم القمع هناك ولكن لا هروب للغير، فمن يطلب من أمريكا وحلف الناتو مساعدات لضرب 'معسكرات القذافي ' أو توجيه ضربات جوية محددة مع فرض منطقة حظر جوي ، يعتقد أن أمريكا وتحالفها الاستعماري إن تجاوبوا مع مطالب ' المجلس الانتقالي' سيكون 'عملا خيريا لوجه الله' وستترك لهم البلاد بما فيها وعليها ويقيمون حكما نزيها شريفا وديمقراطيا دون أحزاب وقوى حقيقية ، ربما يعرفون حلفا أطلسيا غير الذي نعرف أوأمريكا ودولا غربية غير التي نعرف .. كلام لا يمكن له أن يكون سوى قول واحد أن النار الغربية الأمريكية حارقة لأي أمة تبحث الاستقلال والبناء دون هيمنة ..

حقائق لا يجب أن تطمسها آلة القمع القذافية التي يتحدث عنها ، من تعايش معها وكان كثير منهم جزءا منها لأربعين عاما ، ورئيس المجلس الانتقالي ذاته أحد وزراء تلك الآلة بل كان الغطاء القانوني كوزير عدل إلى قبل شهر يمنح الشرعية لكل فعل قذافي ، وغيره ممن كانوا في موقع القرار والتأثير إلى أسابيع لا أكثر ، ولكن هل جرائم القذافي وديكتاتوريته يسمح بالبحث عن أمريكا وقواتها لتكون خشبة خلاص .. هنا المعضلة الأكبر التي لا يجوز تجاهلها وكأنها شيء طبيعي جدا وطلب مشروع ، بل وضروري ومن لا يؤيده يصبح مساندا للقمع والديكتاتورية ..دون أي تمحيص أو تدقيق في واقع المشهد .. باعتبار أنك أمام خيار: إما الديكتاتورية أو التبعية – العمالة..

'المسألة الليبية' تفتح جملة تساؤلات تستحق التفكير والنقاش ، حول 'الاصطفافات التحالفات السياسية' في البلاد العربية ، دولا وأحزاب ، ومسميات سادت طويلا في أدبيات العمل السياسي والإعلامي ، منها كيف يتم التعامل مع ليبيا ونظامها ، فقبل أسابيع لا غير كان الكثيرون من دول وقوى وأطراف ' الممانعة والمقاومة' تعتبرها جزءا من هذا المعسكر ، وقيل في 'العقيد' كلاما وشعرا ، بل إن لقاء 'الأحزاب العربية'( وهي من مكونات تلك الأطراف) كان يضم 'اللجان الثورية' الليبية ، وهي التي تعلن صراحة دون أي لبس عداؤها للحزبية ورفضها المطلق لها وللديمقراطية وما شابهها، لكنها رغم ذلك كانت عضوا،عضوية كان لها ثمن يعرفه جدا القائمون على المؤتمر .. وبعد ما حدث هناك سارع اللقاء بطرد 'اللجان الثورية' لينفتح باب النقاش في شكل العلاقات القائمة اليوم ..

فمثلا سوريا الدولة رسميا تقف مع العقيد تحت مبررات عديدة وهي التي تعتبر ركيزة للمحور الممانع والمقاوم، وهناك أنباء أنها تدعم العقيد عسكريا ، ومعها تقف بعض الفصائل الفلسطينية ومنها الجبهة الشعبية والقيادة العامة والأخيرة أصدرت بيانا صريحا بدعم العقيد وأن ليبيا تتعرض إلى مؤامرة ( اتهام واضح للمعارضة) ،، بينما 'حماس' سارعت بإصدار بيان تندد بجرائم العقيد وتطالب بإزاحته ، وهو موقف لا يسنجم مع عدم التسرع المعروف عنها ، إلا أنها إجبرت بطلب من قطر والقرضاوي وإخوان ليبيا وطهران وحزب الله التي عادت العقيد لسبب طائفي وليس سياسا ( موضوع الإمام الصدر وشيعة لبنان بشقيهم ) ، ولكنها هدأت إعلاميا تحسبا لموقف سوري ، ما كشف أن المسألة ليست مقاومة أو ممانعة بل حسابات تختلف كليا عن التصنيف التقليدي .. خاصة لو ذهبنا إلى بلاد كتركيا مثلا وفنزويلا وكوبا والبرازيل ونيكارغوا وكلها بلاد معادية للاستعمار ( تركيا لها وضع خاص لكنه ليست بحماس المعارضة ولا قطر ودول الخليج) ..

فيما فتح والمنظمة صامتة ولا يعرف لها رأي لا مع ولا ضد وتترك الموقف للقادم أو لما يقرر الشعب أو العقيد أو الغرب، خلافا لدول بعض معسكر الاعتدال ، خاصة الخليجي الذي بات رأس حرب ضد العقيد ..

المسألة لم تعد 'ممانعة ومقاومة واعتدال ' .. ذابت الجدران وانكشفت المسألة بصورة غير ما كانت ، ولعل المشهد العربي القادم بعد 'ليبيا' سيكون غيره ، مع انتصار أي من طرفي 'الأزمة الليبية' ، ولن يكون بالإمكان تجاهل التشابكات السياسية التي ظهرت خلال الأزمة .. قد يعمقها أكثر الموقف من 'المسألة البحرينية' والخلاف الطائفي الصريح .. فخريطة الاصطفاف السياسية القادمة ستشهد جديدا بلون ومضمون جديد..

ملاحظة: مصر تخوض تحديا كبيرا يوم (السبت) القادم ..حرب التعديلات الدستورية لن تقف عند 'نعم' أو 'لا' .. هناك حسابات جوهرية في اليوم التالي للاستفتاء .. ولنا وقفة خاصة معها ..

 

تاريخ :17/3/2011م  

اخر الأخبار