'المسألة الليبية' وفشل متعدد الأطراف..

تابعنا على:   12:45 2014-12-21

كتب حسن عصفور/ أشهر أربعة مضت على بداية 'الحرب الأطلسية' ضد ليبيا، قبل أن تكون ضد نظام العقيد وأركان حكمه، مضت الحرب في طريقها التي تجاوزت كثيرا ما نص عليه قرار مجلس الأمن في العمل لـ'حماية المدنيين وقطع الطريق على ارتكاب مجازر ضد الشعب الليبي'، وبدأت الحرب وها هي على وشك إعلان' إفلاسها' قبل أن تنجز سوى تدمير مؤسسات مدنية وقتلت من قتلت، ودمرت القوى العسكرية الرئيسية لقوات العقيد، خاصة الطيران والمدرعات والصواريخ بكل أشكالها، حرب لم تكن لها ضرورة سوى التعبير عن الرؤية الاستعمارية التي تبرز بين حين وآخر ضد دولة ما قبل أن تكون ضد نظام بعينه، حرب أوشكت على الاستسلام للفشل الذريع، بل بات من كان الأكثر حماسة وترحيبا ورغبة بها، المحور الفرنسي – القطري هو الأكثر حماسة إلى أن تنتهي ضمن رؤية جديدة تحت مسمى 'الحل السياسي'..

قد يعتقد البعض أن هذه مفارقة غير عادية يمكن تسجيلها من معسكر حمل لواء 'الحرب ' تحت شعار 'حماية المدنيين'، وبعد كل هذا الزمن العسكري هاهي ذات القوى التي قادت الحرب على ليبيا وليس على العقيد، تعود إلى المربع الأول الذي عرضته القوى السياسية الحريصة على ليبيا شعبا وأرضا وثروة، دول أفريقية وكوبا وفنزيولا بقيادة المقاتل شافيز، وبعض أصوات عربية خافتة جدا، من داخل أنظمة حاكمة وبعض من قوى وكتاب اختلفوا مع العقيد وديكتاتوريته ولكنهم أيضا رفضوا الحرب الأطلسية وأدواتها المحلية والإقليمية، دعوات كان تريد 'حلا عربيا – أفريقيا' يضع خريطة طريق لحل المسألة الليبية وكانت هناك خطة وضعها الاتحاد الأفريقي، لكن العرب وجامعتهم لم ترد ذلك، واختارت طريق الحرب عبر الأطلسي، إلى أن وصلت لطريق الخيبة وقد تكون طريق العار كذلك، ليس لفشل الحرب فحسب، بل لكون هذا الطريق سمح بإفشال التحرك الشعبي الذي كان يمكن أن يكون في ليبيا لإحداث التغيير الإيجابي، ولكن البعض تآمر مبكرا وعبر لعبة قد تنكشف في زمن آخر بقيام بعض من 'أنصار العقيد' إلى اللجوء للتمرد عليه وقاموا بعملية تحويل غريبة للحراك الشعبي، وانتقاله إلى الخندق العسكري، ثم المسارعة بطلب التدخل الأجنبي العسكري، ليحسم لهم نتائج معركة يراد منها الوصول إلى التحكم في مصير ليبيا بدلا من تحكم العقيد، استبدال حالة بحالة، وأشاعوا عبر كل ما كان خلفهم من دعم سياسي وإعلامي أنهم على أعتاب 'إسقاط العقيد' فبين ساعات قادمة للوصول إلى قلعة العزيزية وتحريرها من عقيدها، مضت أشهر حربية، والنتيجة انحسرت في أبعاد الحرب عن بنغازي وبعض مناطقها، دون تسجيل جاد لما يمكن أن يكون معركة حاسمة لإسقاط العقيد، ما بدأت قوى غربية داخل تحالف الأطلسي تدركه، وأن حسم المعركة لن يكون بأيد ليبية كما اعتقدوا وفقا لما قالت لهم ' المعارضة المتمردة'..

 ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة في مسار 'المسألة الليبية'، فالتحالف الأطلسي بكل مكوناته السياسية والعسكرية، أمام خيارات محددة، فاستمرار الحرب بالطريقة القائمة اليوم، لن تصل إلى المرحلة الحاسمة لإسقاط العقيد بعد أن انكشف المستور لأطراف المعارضة الليبية ،سواء القوة العسكرية أو الشعبية داخل مناطق نفوذ العقيد، وتبين أنها (المعارضة المتمردة) تريد أن تدفع الأطلسي نحو مرحلة ثانية من مراحل الحرب، تحت شعارات وهمية مستحدثة بالبعد الإنساني، خطوات تؤدي إلى الدخول الأطلسي بحرب برية فوق الأرض الليبية لحسم المعركة، خيار لم يكن بداية ضمن حسابات الأطلسي، عدا عن كونه يتناقض كليا مع قرار مجلس الأمن، ما يعني أن قرارا كهذا قد يدفع نحو مواجهات سياسية ليست في الحسبان ، إلى جانب أن هذا الطريق قد يفتح 'حروبا برلمانية وسياسية' في بلدان التحالف، خاصة أن آثار حرب العراق وأفغانستان لا تزال ريح عواصفها تهب بين حين وآخر داخل من كان طرفا بها، فما بالك بطريق كهذا في ليبيا، والتي لا تعني للإنسان الغربي شيئا، بعد أن اكتشف أن الحاكم الليبي ارتكب من الانتهاكات ضد الإنسان كما المتمرد عليه أيضا، لا فرق ربما سوى في الأرقام، ولكن كل منهما لا صلة له بالاعتراف بحقوق الإنسان والديمقراطية والحرية، بل وأن الإنسان العربي اكتشف ما هو أكثر سوداوية عندما رأى حلقة السباق الليبي، معارضة وحكما نحو إسرائيل لنيل رضاها، ولذا فدافع الضريبية في بلاد بها قانون وبرلمان لن تسمخ لبعض متمردي ليبيا من معارضة بلا ملامح، أن تجر بلادهم لوحل حرب بلا ضرورة، ولعل تصويت مجلس النواب الأمريكي بداية لهذا الطريق، إذ أيد الحرب ورفض تمويلها، مؤشر لا يخفى ما المقصود منه، حرب دون تكلفة آنية وليس حربا بأموال يتم استرجاعها. ووصل الأمر بالفرنسيين إلى أن يعيدوا البحث في الطريق الأفريقي لحل الأزمة سياسيا، فذهبوا إلى روسيا لتساعدهم في ورطة لم يتم تقديرها جيدا، بل إن الخسائر المالية والسياسية ستفوق ما كان يعتقد لفريق ساركوزي ( ومنهم اليهود طبعا) أن يحصلوا عليها، والخسائر بدأت تلوح داخليا ما قد يكون عنصرا يساهم في إسقاط ساركوزي في الانتخابات القادمة..

وهناك أطراف داخل أمريكا وإيطاليا بدأت الحديث عن وجود تنظيم 'القاعدة' داخل صفوف القوى العسكرية المتمردة على العقيد، وبدأت في تحصين مواقعها وتهريب الأسلحة إلى مناطق غير ليبيا حتى وصل الأمر إلى قطاع غزة، وفقا لمعلومات أمنية تعمل حماس بكل السبل على مواجهتها كونها خطرا بيد قوى التطرف المعادية لها ولسلتطها في القطاع.. ولعل ما قاله وزير خارجية إيطاليا بوصول السلاح إلى تنظيم القاعدة وإعادة تهريبه لدول مجاورة ليس من فراغ..

حرب بلا ملامح تدور فوق أرض ليبيا، ستجبر الأطراف كافة على تغيير مسار الولوج إلى البحث عن 'حل سياسي' يسمح بحفظ ماء الوجه لمختلف الأطراف، لإعادة 'اقتسام ليبيا' ضمن معادلة حكم جديدة، لا تنهي حكم العقيد ولا تبعد قوى المعارضة، ولذا بدأت طرق التفاوض متعددة الأطراف تجد مكانها على المشهد الليبي، عبر أكثر من مسار كشف وجود تباين وتعارض بل وتناقض داخل أطراف المعارضة الليبية، فهناك طرف يقوده بعض من تيار 'الإسلام السياسي' بقيادة علي الصلابي التقى في القاهرة بأحد أقطاب العقيد (اللواء دروزة)، لقاء يعيد إلى الحضور تلك العلاقة التي كانت بين سيف الإسلام القذافي وهذا التيار حيث كان مفترضا له أن يصبح جزءا من الحكم قبل اندلاع شرارة الأزمة في شباط الماضي، ويبدو أن هذا الطريق التفاوضي ينال رضا مصر وقطر وبعض أمريكا، في حين اتجاه آخر تجري مشاهده في باريس بالتعاون مع موسكو.

 بينما ما زال الاتحاد الأفريقي هو الأكثر حضورا في المشهد الجديد للحل السياسي، كونه يمتلك 'خريطة طريق' لحل الأزمة نحو نهاية للمسألة الليبية يقوم على إبعاد العقيد عن الحكم دون إبعاد باقي الأسرة وخاصة سيف الإسلام، فكرة أريد لها أن تكون بوابة عبور للحل تواجه بعضا من معضلات، منها هل يبقى العقيد داخل البلاد أم يتقاعد بما  لديه من 'ثروة مالية وفكرية' خارج البلاد، أم لا .. نقطة حاسمة سيكون حلها حلا للأزمة ، وهناك بعض أوساط من حلفاء سيف الإسلاميين لا يرفضون هذه المسألة لكنهم يريدون وضع ضوابط حازمة لمنع العقيد من الحكم أو التحكم .. رؤى بدأت تجد السبيل نحو 'الحل السياسي' بعد أن فشل الحل العسكري الأطلسي وعجز المتمردون الليبيون على الحسم العسكري دون تدخل بري ومباشر من قوات أطلسية..

 ويبدو أن أحداث سوريا باتت أكثر أهمية للأطلسي ودوله من 'صحراء ليبيا' و'ثوارها'.. وإعلان الفشل لكل من ساهم في لعبة الحرب الأطلسية ليس سوى مسألة وقت.. ولكن هل انتصرت ليبيا.. سؤال برسم الانتظار لكن الأكيد أنها خسرت كثيرا من ثروتها..ولعل الغرب يبحث تعويضا ما فوق أرض سوريا..

ملاحظة: إعلان تأجيل المصالحة الفلسطينية أكرم لكل الأطراف من حرب الكلام الدائرة.. فلا مصالحة في سماء فلسطين على الأقل قبل سبتمبر – أيلول..

تاريخ : 14/7/2011م  

اخر الأخبار