سورية.. ماذا بعد دائرة النار
صالح عوض
أمد/ بلاد الشام -وسورية جسمها الأكبر وفلسطين قلبها الروحي الملهم- هي الأرض المباركة، وتمتاز سورية بأنها حضن فلسطين المتداخلة فيها نسبا ومصاهرة وامتزاج اجتماعي هو الأقرب والأحنّ، بلاد الشام التي توافد عليها الأنبياء والرسل عليهم السلام وانتشر فيها الصالحون من عباد الله تتوسط الجغرافيا الإسلامية والعربية، على جانبها الأيمن مصر بتطرفها في الاعتدال، وعلى جانبها الأيسر العراق بتطرفه في التطرف وهي دوما التوسط.. عبقرية المكان منحتها خصوصيات سامية ومهمات خاصة فهي متسع للإنسان حيث هو إنسان للعرب وسوى العرب وهي دوما تتسلح بالسلام والاستقرار رغم تنوع الأعداء وتعددهم.. وهي كما كانت باعثة للحياة الإنسانية بهجراتها منذ الفينيقيين إلى بناء الأندلس فهي دوما كانت معرضة للمؤامرات الخارجية وتناوب الإمبراطوريات، ولقد جاء الإسلام فاستعادها روضة في بستانه فتصبح سيادة الأمة رهينة بها فهي الترمومتر لحال الأمة فهي لا تكون متحررة إلا في منعة أمة قوية منتصرة وكلما ضعفت الأمة سقط الشام.. وهي بكل ما تمثله تكون دوما الحافز للعرب والمسلمين للجهاد والتحدي والنهوض.. من المهم ان ندرك البعد الجيواستراتيحي لنسأل أين تقف سورية الآن بعد أن حطّت القوى العالمية والإقليمية رحالها فيها بقواعد عسكرية ومستشارين من أمريكا وروسيا وتركيا وإيران؟.. وكل قوة من هذه القوى تستدعي أتباعها ولواحقها الإقليمية والدولية..؟
إن سورية منذ أكثر من 12 سنة وهي في عين العاصفة.. هذا صحيح ولكنها الآن دخلت دائرة النار التي ستكون فاصلة بين مرحلتين فإما.. وإما..!!
لماذا كانت المفاجأة:
هي مفاجأة بلاشك لمن لم يتحسس نتائج الحرب الدامية التي استمرت سنوات طويلة ولازالت بأشكال أخرى وترتب عليها جراح غائرة وألم لا يمكن وصفه.. هي مفاجأة لمن أعتقد أن السلاح يمكن أن ينتصر على المشاعر والألم ولهذا مد كثيرون سيقانهم وانصرفوا لممارسة رغباتهم دون انتباه للتفاعلات العميقة التي يسببها الوضع المختل في سورية.. فكيف تكون مفاجأة ولم تحل الملفات المعقدة المتجددة، كيف تكون مفاجأة لو كان هناك تفهم لجذور الأزمة وعمل منهجي لاصلاح ما ينبغي اصلاحه فلقد اجمع السوريون بكل مشاربهم ان هناك فسادا وتجاوزات كبيرة في الدولة السورية وانها احد الاسباب الذاتية لميلاد الازمة الامر الذي سهل للمتدخلين الاتكاء عليها والانطلاق في عملية رهيبة جعلت سوريا على حافة التلاشي والضياع والتشتت على دويلات وامارات..
لا أريد الاسترسال حول أسباب الأزمة السورية وكيف كان بالامكان تجاوزها لو أوتي النظام من الحكمة والمسؤولية ما يكفي في أيامها الأولى.. نعم ليس هناك مبرر أبدا لتحطيم الدولة وتمزيقها واستدعاء الأجنبي ولكن للأسف اضطر جميع الفرقاء حتى النظام الى استدعاء الأجنبي لحسم المعركة ووجدت كل الأطراف فرصتها لفرض أجندتها وبرنامجها وطموحها من خلال تدخلها المباشر وكانت الضحية الكبيرة هي الشعب السوري والدولة السورية والأرض السورية والثروات السورية..
بعد أكثر من 12 سنة تعود دائرة النار الى عواصم سورية، لم تكن سيطرة المعارضة المسلحة سريعا وفجائيا على سراقب وحلب وبعض حماة فقط تعبيرا عن أزمة يعانيها الجيش السوري ومؤسسات النظام الأمنية التي تهاوت سريعا.. إنما أيضا عن عدم إدراك وتحرك رسمي مسبقا لحل الإشكاليات المعقدة الأمر الذي خلق احتقانا متراكما اجتماعيا وسياسيا عميقا لم يجد سبيله الى الانفراج على مدار السنوات السابقة رغم اللقاءات والمفاوضات في روسيا والاتفاقيات والتعهدات.. وظلت العنجهية هي السبيل في التعاطي مع قضية معقدة تحتاج تنازلات حقيقية تمس طبيعة تركيبة النظام وتضميد الجراح والإعلان عن مصالحة اجتماعية حقيقية واسعة.. وأي شيء من هذا لم يحصل.
ولكن لا يمكن إغفال السؤال: لماذا جاء الهجوم بعد سنة من العدوان على غزة وانشغال حزب الله اللبناني بالاشتباك مع العدو الصهيوني ثم انسحابه منها؟.. هل هو الشعور بأن الحزب فقد القدرة على إعادة إسناد النظام السوري بعد ان يكون حزب الله قد تم تقييده بمعطيات محلية وصعوبة ؟ هل تكون إيران عاجزة عن إسناد النظام رغم وجود قواعدها ومستشاريها في سورية بعد أن عادت في دائرة الاستهداف الصهيوني بشكل مستمر؟ وهل يكون الروس في انشغالهم بمعركتهم المفتوحة مع الغرب في أوكرانيا ولواحقها قد انصرفوا عن الانخراط بثقل في حرب سورية؟ وما هو حقيقة الموقف الروسي بعد ان تجمدت المفاوضات السورية ولم تتحرك لانجاز ما تم الاتفاق عليه؟ فلقد حقق الروس تواجدا امنيا استراتيجيا في شواطئ سورية ولقد كان لهم دور كبير في المحافظة على بقاء النظام السوري وليس سورية ولا أمنها فانه يدعو للسخرية ان تقوم روسيا بمساندة النظام ضد مجموعات مسلحة ولكنها تعطل أجهزة المراقبة والمتابعة لطائرات الكيان الصهيوني وهي تقصف مراكز سيادية وحيوية في سورية ولا تزود الدولة السورية بما يكفيها للدفاع عن سيادة البلاد.. وهنا ينكشف الدور الروسي ولا عجب في ذلك وهذا ما يجعلنا ندرك ان التدخل الروسي في سورية ما كان ليكون الا باتفاق امني أمريكي روسي إسرائيلي.. أما إيران فلقد كانت لها نظرة أيديولوجية وسياسية على اعتبار انها حليف استراتيجي للنظام السوري منذ انطلاق الثورة الإيرانية فلقد هبت منذ لحظات الأزمة الأولى لنجدة النظام وتحركت على كل مستوى بدءا بالدعم المالي المهم وبإقناع الروس بالتدخل وبحشد الحلفاء من حزب الله وعصائب الحق العراقيين وكتائب فاطمة الأفغان ولا يخلو أمر هذه القوى من شحنات طائفية عقدت المسألة كما سخرت أجهزتها الأمنية والعسكرية في الانهماك بالشأن السوري على اعتبار ان المعركة على ارض سورية مصيرية لها فهي قدمت لها من ثرواتها وأرواح حلفائها الكثير.. أما أمريكا وتركيا ودول الخليج فالحديث عنها يقع في دائرة التناول للجانب المقابل من المعادلة فأمريكا استغلت الظروف المتضاربة وأنزلت قواتها لتدق أوتاد قاعدة عسكرية أمنية ذات أهداف اقتصادية حيث الثروة الهائلة من النفط شرق الفرات، ويستلزم الامر في هذه الحالة تشكيل قوى سياسية عرقية يتكئ عليها شعبيا التواجد الأمريكي وتكريس انقسام بالسلاح في ظل ضعف الدولة المركزية.. وكذلك الحال بالدور التركي الذي وجد في ضعف الدولة السورية فرصته بأن يصنع أحزمة أمن للدولة التركية بالسيطرة على شريط حدودي واسع ودعم قوى اجتماعية سياسية تمثل في الشمال السوري.. اما دول الخليج التي أنفقت مئات المليارات من الدولارات لتفسيخ سورية واستقلاب أوضاعها بتوجيه أمريكي او على الأقل باستمزاج رضي أمريكا.. فكل الدول الخليجية أنفقت أموالها بلا نتيجة لها كما قال جاسم بن حمد وزير خارجية قطر: تنازعنا نحن الخليجيين و ضاعت منا الفريسة واستولى عليها غيرنا..ا
واجبات كبيرة على النظام السوري:
من الصعب ان يستمع النظام السوري لنصائح ا وان يتجه لقراءة أعمق من القراءات الانفعالية وردود الأفعال القصيرة التي تستسهل الاستنجاد بالأجنبي.. و هنا لابد من طرح الأسئلة الكبيرة التي من الواضح ان النظام لم يجب عليها او لم يستطع الإجابة عليها وهي التي تضخمت في عمق الأزمة لتنفجر كما يبدو فجأة.. ما هو مصير التدخلات الأجنبية الأمريكية والتركية والفرنسية والإيرانية في سورية والتقسيم الجغرافي في سورية ؟ ما هي رؤية النظام لهذا وما هي الخطة التي وضعت للتخلص من الوجود الأجنبي الأمريكي والروسي والتركي والايراني؟ ما هو الجهد الذي بذله النظام في تحرير سورية من الاحتلال الأمريكي وفي الوقت ذاته ما هي رؤية النظام للتواجد الروسي غير المفيد لسورية وللتواجد الإيراني المستفز للمكون الأساسي في البلاد لدرجة الإحساس بان هوية الشعب السوري أصبحت مهددة باستقلاب طائفي.. ثم ما هي أوراق النظام السوري لإعادة تجميع الصف السوري وتوحيد الدولة أرضا وشعبا؟ ما هي مسؤولية النظام نحو ملايين السوريين في الشتات؟ لماذا افترض النظام ان هذه الملايين أصبحت في خانة العداء؟ كيف يسكت النظام على استمرار الوضع المختل في إدلب بملايينها الأربعة بجوار الدولة السورية؟؟
من المؤكد ان هناك خصوصيات استثنائية يجب ان تكون واضحة أمام سورية كموقع استراتيجي في قلب العرب وبجوار فلسطين بل وبخصوصية علاقتها بفلسطين.. فعلاقة سورية الشعب والأرض والتاريخ والتجانس هي علاقة توحد كامل بفلسطين فصحيح ان فلسطين درة التاج والروح لكن الشام وسورية أعظمه، فهي الصدر لهذا القلب.. ومن هنا لا نستطيع فهم كيفية مواجهة النظام السوري للتحديات الخطيرة المحيطة او الداخلية حيث لن تترك سورية بدونها لتنصرف عن دورها المحلي والقومي الذي يرسمه لها موقعها الجغرافي والاستراتيجي..
الان يبدو ان هناك نوع جديد من التحديات امام النظام السوري أولها أن الروس رغم اعلانهم الرسمي بدعم النظام الا انهم عمليا على غير ما كانوا عليه سابقا.. كما أن ايران ليست في وارد الانخراط الكامل كما كانت من قبل للدفاع عن النظام السوري..
لابد ان نذكر ملايين السوريين المهجرين وأبناءهم وهم في معظمهم ولدوا في المهاجر ويبلغ تعدادهم بعد ان حشروا بالحافلات من شتى أماكن سورية.. ولهذا كان من الواضح ان هؤلاء السوريين الذين رافقوا قوات المعارضة كانوا يستعيدون بيوتهم وهذا يسير في الرغبة التركية التي ستدفع بملايين السوريين الى سورية في حال توفر الظروف ويتخلص اردوغان بذلك من ضغط المعارضة بخصوص هذا الملف.. ويبدو ان ما حدث لم يكن مفاجئا إلا لمن استهان بالخصم.. ان المعارضة المسلحة لمحت لذلك كثيرا بل واتجهت الى الحديث عن معركة دمشق واللاذقية ومن تابع اخبار المعارضة المسلحة السورية أدرك فعلا ان هناك خطوات كبيرة ستكون في ايام قريبة ويبدو ان المعارضة المسلحة استفادت من المعطيات الواقعية..
كما أنه لابد من التأكيد ان هناك ارتياح لقدوم ترمب الذي لم يتوقف عن الحديث ضد النظام السوري رغم كل ما سبق للنظام من علاقات وثيقة مع النظام الدولي لاسيما مشاركة التحالف الدولي في الحرب ضد العراق في 1991 وقبل ذلك بالتخلص من المقاومة الفلسطينية في لبنان سنة 1982 وذلك ثمنا للمحافظة على النظام الا ان النظام الدولي لا يقدم مكافآت لأحد مهما كانت خدماته كبيرة.. ان خوف الكيان الصهيوني من التغيرات الدراماتيكية التي قد تولد أوضاعا مختلة يتسرب منها الرعب نحو الكيان الصهيوني، ولكن النظام السوري أيضا ليس مقبولا لدى الكيان الصهيوني رغم عدم رده على الهجمات الصهيونية المتوالية على الأراضي السورية، يكفي بالنسبة للكيان الصهيوني عدم قبول التطبيع ودعم المقاومة اللبنانية ليكون في خانة الأعداء..
هل يصمد النظام في ظل كل هذه التناقضات بعد أن أرهقت سورية على مدار 12 سنة؟ من الواضح أن هناك معركة كبيرة قادمة مع المعارضة المسلحة التي تجمع على مدار الساعة حشودها وتدريبها وهي محملة برؤية أيديولوجية وطائفية، وهناك أكثر من احتمال أمام النظام السوري إذا تواصل الضغط أما بانقلاب او التخلص من الرئيس بطريقة تبقي النظام بتحسينات معينة..فلقد انقضى الوقت لأي محاولة مصالحة بين النظام والمعارضة.. ولم يستطع النظام التواصل مع ملايين السوريين المهجرين فاستوعبتهم الى حد كبير المعارضة.. المهم ان لا ينقسم البلد الى أكثر مما هو فيه الآن والله غالب على أمره.
