المحرقة تلوكنا قبل وصولنا للجنة

تابعنا على:   16:12 2024-10-14

نسرين موسى

أمد/ أرقتني الجنة والتفكير بها في ليلتي هذه، أكثر من صراخ طفل تطل نافذتنا التي بدون معلم يدل على كينونتها أنها نافذة، على مكان نومه، ويبدو أنه يستميت في بكائه دفاعا عن نفسه من جناية ألصقتها بها والدته، بأنه أفسد لها (فرشة) وحيدة حصلت عليها بعد نزوحها من بيتها في غزة، مذ حرب السابع أكتوبر، أغرقها لها، كرد على لعنة غلاء حفاضاته أبسط حقوقه، ورده عليها أصابني معها بنوبة أرق استمرت أكثر وأحد من نوبة صراخه، وأعنف من صوت انفجارات وقصف بعيدا عن مكان فراشي وفراشه المبلول، كما أبلغني زميلي الصحفي الذي لا ينام ويفكر في بيته المنسوف، وأسأله على الدوام كلما سمعت انفجارا، أنه وقع في بني سهيلا ، وبعيدا عن الجنة التي استحوذت على تفكيري ...
لم يفسد صراخ الطفل تفكيري بالجنة، وقد يدعو للسخرية أن وصول الطفل جار نافذتي للجنة ثمنه إفساد فرشة أمه الوحيدة بسبب غلاء الحفاضات!
وأرقي ثمن لوصولي إلى الجنة!
وألم عامودي الفقري الذي قارب على الاعوجاج، بسبب نومي على أرض غير مستوية، أيضا ثمن الوصول للجنة!
وبيتنا المحروق المنعزل المئنون هناك، ثمنا لشم رائحة الجنة!
وجوعنا القاهر ثمنا لالتهام تفاحة مزروعة في الجنة!
وملابسي المُرقعة ، ثمنا لارتدائي ثوب من سندس واستبرق في الجنة!
ودمنا المهدور، وجثتي المحترقة المتفحمة، وشعر النساء المحلوق على رقم واحد لملوحة المياه ، ااااه ثمنا للجنة.
ونوم النساء في خيم على طرقات تغمرها القمامة ثمنا للجنة!
ودموعنا وقهرنا على موت بلا وداع لأحبابنا، ثمنا لرؤيتهم في الجنة دون فراق!
أتخيل في نوبة أرقي، ماذا لو كنت نائمة على فراش وثير، ملابسي نظيفة دون رُقع، وأمامي طبق فاكهة مما أتخير، يلتحفني ضوء أزرق خافت أو أحمر أي لون زاهي، وبجانبي ضحكات طفل تشجي ليلتي، وبيدي قصة لأميرة حققت أحلامها دون جوع وفراق ودموع وخوف، وبعد انهائي لقراءتها تستسلم روحي وتنعم برائحة الجنة، تعبر إليها من طريق حياة دون محرقة، دون مجازر، دون دماء.
يتنعم جسدي بثياب السندس والاستبرق، دون أن يكون تآكل من ثياب كأنها من البلاستيك!
ماذا لو تعبر روحي من نافذة بيتي دون أن يمسه هجر !
تعبر إليها بعد أحضان وقُبل من أحبابي حولي، ووعودات بلقاء نستأنفه في الجنة!!
تعبر روحي من شوارع نظيفة لا تغمرها وتُغيب معالمها جبال من علب صدئة من معلبات ، هتكت جدار معدتنا وسرطنتها!
ماذا لو تعبر أرواح النساء وهن جميلات بعد تزينهن، وترتيب خصلاتهن دون قص وحرق مُنعمات برائحة الصابون والعطور، ويستأنفن رحلة جمالهن أمام مرايا في قصور الجنة!!!..
لماذا يُحتم على أرواحنا أن تُحرق، وأجسادنا تُباد قبل تشدقها لرحيق الجنة؟
لماذا يُرسلني صاروخ بغدر إلى الجنة؟
ماذا لو وصلت الجنة بعد نومة عميقة فور انتهاء رحلة استجمام وركعتين صلاة !
لماذا يُحتم عليَّ لعن البحر وغبار السماء قبل مروري في طريق الجنة؟
لماذا على أحمد ومحمد وسليمان البكاء والخوف قبل وصولهم عتبة الجنة؟
اااااه يا جنة عرضها السموات والأرض، لماذا طريقك محفوفا بالقهر والجوع والبؤس والتشرد والفقر والبرد والمرض والتلوث والفاجعة والحنين والشوق ولوعة الفراق والغربة، وصراخ مستمر من هذا الطفل جار نافذتي المجردة من معالمها، وصرخات أمه وشتائمها وصدى عباراتها أي جنة، ونحن لا نجد ماء صالح لوضوء صلاة ندعو بها الوصول إلى جنة دون كل هذا الشقاء، ودون دوران محرقة تلوكنا كل ثاتية.
من قال إن الوصول إلى الجنة يجب أن يمر بمحرقة تأكل جسدي وتجعله رمادا يتناثر دون قبر ووداع!

اخر الأخبار