"الحرب على غزة وإعادة احتلالها: تداعيات على القضية الفلسطينية وتفكيك الحلم الوطني"
وسام يونس الاغا
أمد/ تعيش القضية الفلسطينية اليوم واحدة من أخطر لحظاتها التاريخية، في ظل الحرب المتواصلة على غزة، التي تمثل ليست مجرد صراع عسكري، بل محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني وإعادة احتلال القطاع، مما يضعف المشروع الوطني الفلسطيني وحلم بناء الدولة المستقلة. هذه الحرب ليست فقط مسعى لإضعاف المقاومة الفلسطينية،والقضاء على حركه حماس بل هي أيضاً جزء من استراتيجية إسرائيلية لتفكيك بنية القضية الفلسطينية، وإعادة رسم معالم الصراع بما يخدم الأجندة الإسرائيلية.
تعود جذور هذه الأزمة إلى اتفاق أوسلو عام 1993، الذي رغم أنه فتح باب الأمل لإقامة دولة فلسطينية، إلا أنه لم يحقق على أرض الواقع ذلك الحلم. بل بالعكس، أدى الاتفاق إلى تعميق الانقسام داخل الساحة الفلسطينية بين مؤيدين للتسوية السياسية ومعارضين لها. هذا الانقسام تبلور لاحقاً مع صعود حركة حماس وسيطرتها على قطاع غزة في عام 2007 بعد مواجهات دموية مع حركة فتح. هذا الحدث كان نقطة تحول رئيسية في تاريخ القضية الفلسطينية، حيث أدى إلى تقسيم جغرافي وسياسي بين الضفة الغربية التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية وغزة التي تسيطر عليها حماس.
إسرائيل استغلت هذا الانقسام لتبرير سياساتها العدوانية ضد قطاع غزة، حيث اعتبرت أن غزة تحت سيطرة "جهة غير شرعية"، مما يبرر من وجهة نظرها الحصار المتواصل والعمليات العسكرية المستمرة. هذا الوضع أضعف المشروع الوطني الفلسطيني الذي كان يهدف إلى إقامة دولة فلسطينية موحدة على كامل الأراضي المحتلة.
مع استمرار الحرب على غزة، واقترابها على عام كامل تتصاعد المخاوف من أن تكون هناك نية إسرائيلية لإعادة احتلال القطاع بشكل كامل أو جزئي. هذا السيناريو يُطرح في أروقة النقاشات الإسرائيلية، حيث تتحدث بعض الأصوات عن ضرورة إعادة السيطرة على غزة بشكل مباشر بهدف القضاء على المقاومة الفلسطينية وتفكيك البنية التحتية لحماس. لكن هذا الاحتلال، إذا ما حدث، لن يكون مجرد سيطرة عسكرية مؤقتة، بل سيكون ضربة قاتلة للمشروع الوطني الفلسطيني برمته.
إعادة احتلال غزة تعني تفكيك أي حلم بإقامة دولة فلسطينية مستقلة. فالدولة الفلسطينية التي كانت موضع تفاوض منذ أوسلو تعتمد على وجود وحدة جغرافية وسياسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ومع فقدان السيطرة الفلسطينية على غزة، سواء لصالح حماس أو لصالح إسرائيل، ينهار أساس هذا المشروع.
لا يمكن فصل الحرب على غزة عن الصراع الأوسع على القضية الفلسطينية. إسرائيل تسعى منذ فترة طويلة إلى تفتيت وحدة الشعب الفلسطيني وتعميق الانقسامات الداخلية. الحصار الذي فرضته على غزة منذ 2007، والحروب المتكررة التي شنتها على القطاع، كلها خطوات تهدف إلى تدمير البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لغزة، وجعلها عبئاً على القيادة الفلسطينية في رام الله واعتقد تعنت حماس في الإصرار على عدم أعاده غزه إلى حضن الشرعيه عززعلى ذلك.
الحرب الحالية على غزة لا تقتصر تداعياتها على القتل والتدمير، بل تحمل أبعاداً أعمق. فهي تسعى إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية الفلسطينية. إسرائيل تدرك أن حركة حماس، رغم اختلاف الأطراف الفلسطينية معها، لا تزال جزءًا من المشهد السياسي الفلسطيني. واستمرار حماس في غزة يمثل تحديًا لمشروع السلام الإسرائيلي ويعقد مساعيها لفرض تسوية تقوم على الشروط الإسرائيلية.
مع تزايد احتمالات إعادة احتلال غزة أو إخضاعها لسيطرة أكثر صرامة من قبل إسرائيل، يبدو أن المشروع الوطني الفلسطيني في خطر كبير. الدولة الفلسطينية التي كانت الهدف النهائي لاتفاقيات السلام والتفاوضات المتعددة تبدو اليوم أبعد من أي وقت مضى. فالدولة الفلسطينية التي تمثل حلاً شاملاً وعادلاً تتطلب وحدة جغرافية وسياسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا ما يتم تقويضه بشكل ممنهج.
إذا ما استمرت هذه الاستراتيجية الإسرائيلية في تحقيق أهدافها، فإن النتيجة ستكون انهيار أي فرصة لتحقيق حلم بناء دولة فلسطينية مستقلة. هذا سيؤدي إلى إعادة القضية الفلسطينية إلى نقطة البداية، حيث سيعود الصراع إلى كونه نزاعًا على الحقوق الأساسية والبقاء، وليس على إقامة دولة.
في ظل هذا الواقع الصعب، يبدو أن الخيارات المتاحة أمام الفلسطينيين تضيق شيئًا فشيئًا. لكن، لا يزال هناك بعض الأمل إذا ما تم اتخاذ خطوات استراتيجية فاعلة:
إنهاء الانقسام الفلسطيني: إنهاء الانقسام الداخلي بين الضفة وغزة هو الخطوة الأولى نحو إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني. يجب على حركتي فتح وحماس أن تدركا أن استمرار هذا الانقسام يخدم فقط الأجندة الإسرائيلية ويضعف المقاومة الفلسطينية.
إعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف): منظمة التحرير يجب أن تعود لتكون الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن تضم جميع الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي، في إطار مشروع وطني موحد.
تعزيز العلاقات الدولية: الفلسطينيون بحاجة إلى تعزيز علاقاتهم الدولية والضغط على المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية. التحركات الدبلوماسية يجب أن تتكثف من أجل حشد التأييد الدولي لحل عادل وشامل.
إن الحرب على غزة، مع كل تداعياتها المدمرة، لا يجب أن تكون نهاية الحلم الفلسطيني. على الرغم من التحديات الهائلة، يبقى لدى الفلسطينيين القدرة على إعادة بناء مشروعهم الوطني إذا ما تمت معالجة القضايا الداخلية بشكل جدي، وإنهاء الانقسامات، واستعادة الوحدة الوطنية. الحلم ببناء دولة فلسطينية مستقلة يجب ألا يموت، لكنه يحتاج إلى قرارات استراتيجية جريئة وواقعية تعيد توجيه البوصلة نحو تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في الاستقلال والحرية.
