تكاسر الإرادات.. حرب استنزاف نحو نصر بالنقاط
صالح عوض
أمد/ عندما تسحب المقاومة الفلسطينية عدوها الى مربع الاستنزاف وتجره إلى حقيقة طبيعته العنصرية المتوحشة.. وعندما تصبح المقاومة قادرة على إلحاق الانهيار المعنوي والنفسي لدى قادة العدو، فيتساقطون الواحد تلو الآخر ويتكشف الجيش المدعم بكل وسائل التفوق التكنولوجي على حقيقته: عصابات قتل وسادية مفرطة، وعجز عن حسم معركة مع ثلة قليلة من أبناء الأمة.. عندما تحدث المقاومة كل هذا التصدع في البنيان الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي الصهيوني.. حين ذاك لا بد من التحرر تماما من مناخات الهزيمة والتسوية المذلة التي أورثتنا إياها الكيانات السابقة والأنظمة العربية المستسلمة لمنطق التفوق الصهيوني..
الإسلام الجدار الأول و الأخير:
لم تستطع القوى والحركات والأنظمة العربية الصمود على ثوابت القضية الفلسطينية في معركة أصبح واضحا أن طرفها الآخر قوة الشر العالمية المنظمة والمتفوقة حيث يمتلك العدو من القدرات والتفوق ما دفع بمنطق التسوية الى التقدم نحو نفوس القادة وسياساتهم والتمكن منها في معالجة القضية الفلسطينية.. وفي مسلسل التسوية اوشكت القضية الفلسطينية أن تتجمد في أدراج الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وأصبح الحديث عنها بعناوينها الرئيسية الدولة وعودة اللاجئين والتحرر من الاستعمار مجرد أحلام وأمنيات كما ذكر ذلك الكثيرون من قيادات العمل الوطني والسياسي..
اجل ان أي عملية حسابية لمجاميع القوى على طرفي المعركة والمقارنة بينهما يعني أننا نخوض غمار معركة خاسرة سوف تكرس الهزيمة والنكبة، وتدفعنا الى الخلف كثيرا.. وهنا كان لابد من إجراء تغيير جوهري على طرف المعادلة الخاص بنا وإدخال معاملات تحدث التكافؤ والتوازن وتجعل المعركة ملحمة يدفع العدو فيها بكل ما لديه يتجرع فيها خسائر وهزائم بألوان متنوعة.. وهنا برز الإسلام دين الأمة ليكشف عن طبيعة خاصة بالشعب الفلسطيني أهلته للانتداب من قبل النبي صلى الله عليه واله وسلم أن يكون الطائفة القاهرة للعدو المرابطة في أكناف بيت المقدس.. ولصعوبة المعركة وقسوتها اشار الرسول صلى الله عليه وسلم أن شهيد هذا الشعب بسبعين من شهداء الصحابة.. هنا تظهر صعوبة المعركة التي لم يخف الرسول صلى الله عليه وسلم أنها من القسوة الى الدرجة التي سيتعرض فيها الفلسطينيون لخذلان كبير ولكنهم رغم ذلك قاهرون لعدوهم.
هنا كان الإسلام هو الجدار الأخير الذي استند إليه الشعب الفلسطيني وخفف من كل الشعارات الأخرى التي لم تكن لتصمد في مواجهة قوى الشر المحلية والعالمية، ففي العقود الأخيرة انتشر التدين في فلسطين في كل أرجائها في قطاع غزة والضفة الغربية والداخل الفلسطيني وانتشرت شعائر الإسلام في كل المجالات وقد تم تنشئة الأجيال على سيرة الرسول والفاتحين وعلى الاقتراب من القران الكريم والتنافس في هذا المناخ والتقييم حسب التقدم على هذا الطريق.. فاستعاد الشباب الفلسطيني ثقته بنفسه وخصوصياتها الحضارية بعيدا عن مناهج الفساد والتحلل والاستسلام والتسوية المذلة مع عدو متغطرس موغل في الاستعباد والسطو على الحقوق.. الحديث هنا ليس معناه أننا أنشانا مجتمعا ملائكيا ولكن الذي لاشك فيه أنه قد تم إبراز قيم الإسلام بوضوح وأصبحت هي المرجع والمعيار.
ولا يمكن التغافل عن مخططات العدو وأجهزته الأمنية في مواجهة صحوة شباب فلسطين الأخلاقية حيث كانت نظرية الاختراق الأمنية ترتكز على ثلاث أضلاع، الأول: الفساد الأخلاقي وإشاعة الرذيلة، والثاني: نشر المخدرات والخمور بين فئات الشباب، والثالث: الربط بجهاز المخابرات الصهيوني.. لقد كان كل ضلع من هذه الأضلاع متصلا بالضلعين الآخرين ومهيأ له.. من هنا كانت أهمية مواجهة هذا المثلث الشيطاني جملة، وذلك بنشر الفضيلة والأخلاق وليس سوى الإسلام قادرا على ذلك و التصدي لأساليب العدو في نشر المخدرات والموبقات و نشر الوعي بجملة العدو لمواجهتها وإسقاطها..
لقد تحقق الشرط الأول بكل جدارة في إنشاء أجيال من الشباب المتمسك بهويته وروحها ومرجعياتها و ارتفع شان الدين والتدين في فلسطين وأصبحت مظاهر الدين هي الغالبة على الشارع الفلسطيني وكان هذا في حد ذاته انتصارا كبيرا في مواجهة المخطط الصهيوني في شقه الامني..
الاسلام الذي يضع الصراع في اطاره الانساني الصحيح"بين خير وشر، أو بين حق وباطل" ويمنح أصحابه القدرة النفسية الكافية على التصدي للشر مهما علا شأنه هو الاسلام الذي يمتلك من رصيد التجربة والانتصارات ما يظل ملهما للمؤمنين به والمتمسكين به.. فهو في أحد أوجهه انتصارات استثنائية ففي القران الكريم قصص عديدة لمصارع الباطل والظلم رغم عتوه وكثرته وفي القران كذلك مدح متواصل للقلة المؤمنة الصادقة المؤمنة وفي القران كذلك تحريض مستمر للمقاومة وعدم الخنوع والذلة فلا خوف إلا من عذاب الله ولا رضا إلا رضا الله وهنا تصبح الشهادة أحلى ما يتمناه المؤمنون يتسابقون نحوها كما شاهدنا على شاشات التلفزيون كيف كان شباب المقاومة يتدافعون نحو الشهادة بإصرار عجيب ومذهل وأسطوري.
الإسلام قاعدة تأسيسية لكل مشاريع المقاومة في الأمة ولكنه في فلسطين أكثر أهمية وضرورة ولا يمكن بأي شكل استثناؤه لأسباب عديدة تتفرد بها فلسطين.. أولها أن فلسطين والقدس والأقصى والمقدسات لها وضع خاص في الوجدان والضمير وثانيها: أن العدو هنا اكبر هدفا وأكثر عدة وأوسع جبهة من أي عدو واجه أي قطر من أقطار العرب والمسلمين حيث يجتمع هنا كل العدو بكل وسائله فلا يمكن هنا إيجاد التكافؤ النفسي والمعنوي دون قوة روحية هائلة وحاضرة بفاعلية وثالث الأسباب: أن رسالة فلسطين للإنسان حيث هو إنما يجب أن تكون رسالة حضارية متكاملة ولا يمكن لها ذلك بدون أن تحمل منهجا حضاريا بديلا في مواجهة المناهج الشريرة المتهتكة التي شوهت الإنسان واستعبدته وفرضت عليه سياسات القهر والذل والانحراف الرهيب.. هذا فضلا عن ضرورة ابراز هذا البعد بجلاء لأنه حبل الوصل بين فلسطين والعرب والمسلمين وهو من يمنح موقفهم قداسة وعمقا روحيا من العبث إغفاله.
من هنا تصبح أي عملية تشويه للمقاومة او بواعثها انما هي ضربات غبية عاجزة في الهواء ليس من مبعث لها إلا الغيبوبة عما يجري الان في عميق وجدان العدو المهلهل والمبعثر المضطرب.. أي عملية شوشرة على الدين والتمسك به في فلسطين يعني بوضوح انها عملية لتجريد الشعب الفلسطيني من سلاحه الاستراتيجي ومن قدرته على الصمود.
خسارات فادحة في المعسكر المعادي:
لم يتخلف العدو العالمي عن التصدي للإسلام عبر القرون لتشويهه وإفساد مقاصده من خلال المستشرقين وطابور العلمانيين اللائكيين المتهتكين في مجتمعاتنا وذلك لأن الإسلام يمتلك قوة تحريضية وتحريرية وتحررية هائلة ووضع العدو كل المعرقلات أمام احتمال قيام الإسلام بمهمته الإنسانية الكبيرة.. وهكذا لا يملك أحدنا وهو يتابع هذه الملحمة والمقتلة في قطاع غزة بشكل خاص الا ان يخرج نهائيا من نمطية الحديث عن تجارب كفاحنا السابقة.. فنحن اليوم قد قدمنا تضحيات حقيقية كبيرة وتحول شعبنا في قطاع غزة في معسكرات للاعتقال ولا ينجو منه إلا من أخطأه سلاح العدو هذا فضلا عن فتك الأمراض والجوع والبرد والحر وخذلان الأمة رغم ذلك لم نرفع راية بيضاء للعدو بعد سنة كاملة، ولم تضعف عزيمة المقاومين في ميادين القتال وظلت ضرباتهم بشتى أنواعها بإقدام أسطوري وفهم وتكتيك بالغين الحقا بمعسكر الأعداء خسارات سياسية ومعنوية واقتصادية فادحة تبدأ من هجرة يهودية في اتجاه واحد وضرب عصب الاقتصاد الصهيوني و تمزق معنوي وروحي في تكتل سكاني غير قادر على التجانس والتوحد على المستوى الرسمي وعلى المستوى الشعبي.. كما ان تعرية الكيان من ثوب الضحية التاريخية وتحويله الى المجرم الأبشع في تاريخ البشرية كان له الأثر البالغ في تثوير الناس في عواصم العالم لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية الذين ذهبوا بشعلة الدم الفلسطيني الى الكشف عن جوهر الجريمة وعصابتها المتحكمة في القرار الدولي .. في الولايات المتحدة كما في كثير من عواصم الغرب اكتشف الناس انه الكيان الصهيوني مجرد عصابة عنصرية مجرمة تلاحقها المحاكم الدولية وان دعم هذه العصابة إنما هو في إطار سيطرة الحكومة السرية على العالم حيث تتربع 100 عائلة على عرش مملكة تسير 8 مليار إنسان من خلال حكومات وإعلام وبنوك وشركات وثقافة كلها يتم توجيهها لانجاز المشروع الشيطاني الكبير ضد الإنسان وطبيعته الإنسانية.
في الجيش الصهيوني وأجهزته الأمنية -لا يخفى على أكثر الناس نكرانا لآثار المقاومة- خلل بنيوي ومقاصدي كبير وان الكيان رغم الدعم المتواصل والاستثنائي خلال سنة من الحرب حيث لم تتردد ألمانيا وأمريكا وبريطانيا وفرنسا على مستوى الدول والمنظمات والمؤسسات من ضخ كل أنواع الدعم ورغم خذلان النظام العربي والاحزاب العربية بل وذهاب بعضها لمشاركة العدو المباشرة في العدوان على الشعب الفلسطيني رغم ذلك كله لم يستطع العدو المطلوقة يداه ان يحسم المعركة لصالحه فضلا عن عدم قدرته على التماسك البنيوي في مواجهة لم يعتدها أبدا..
أجل نحن قاومنا في مراحل كثيرة وعلى مدار قرن من الزمان ولكننا لأول مرة ندخل المعمعة الحقيقية ونقتحم الجلجلة الحقيقية بلا تردد.. ولأول مرة يواجه العدو مقاومة بهذه الصلابة في الميدان وفي الموقف السياسي على مدار 11 شهرا فلم تكن أعظم حرب عربية مع العدو لتستغرق أكثر من 10 أيام.. نحن إزاء ملحمة إرادات: إرادة شريرة مزودة بالتكنولوجيا والسلاح ودعم واسع في مواجهة إرادة ترى الشهادة أحلى الأماني وان التنازل عن الحق ليس فقط دونية وذل وهوان وعبث إنما هو قبل كل ذلك عدم يقين بالدين العظيم الذي يقص علينا سير الأولين انتصارا للمؤمنين ودحرا للطغاة والجبابرة والفراعنة والمجرمين.
من هنا يخرج الغزاوي بمرابطته يحمل للإنسانية معنى جديد تحتاجه في ملحمتها ضد كهنة الشر والجريمة.. من هنا يلوح الغزاوي برسالته الحضارية للإنسانية في كل مكان ومن هنا كان التجاوب العظيم مع الغزاوي على اعتبار ما يحمل من الم وعلى اعتبار ما يحمل من قيم.. وهنا تكبر معركة كسر الإرادات.. لتصبح المعركة على وسع الكرة الأرضية.. ومن هنا سيكون الانتصار بتسجيل النقاط والصمود والرباط كأقوى سلاحين بيد المقاومة والشعب.. ومن هنا نكتشف كم هي عظيمة هذه المرحلة التي يجتازها شعب فلسطين أما الآخرين المخذّلين والمتخاذلين فلو علم الله فيهم خيرا لأخرجهم ولكن الله كره انبعاثهم فثبّطهم.. والله غالب على أمره.
