ملامح سياسية ما قبل إنتخابات "ضارة وطنيا"!
كتب حسن عصفور/ في عام 1988 قررت أمريكا البدء في رسم خطة سياسية جديدة للخلاص من منظمة التحرير الفلسطينية، بصفتها التمثيلية والكفاحية، وما كان من إعادة الهوية الوطينة للشعب الفلسطيني، بروح ثورية، رسمت له حضورا سياسيا طاغيا على الخريطة الكونية، فجاء تقرير "فرقة دينس روس اليهودية الصهاينة" تحت عنوان "البناء من أجل السلام" ليرسم "تكتيكا جديدا" يعمل على خلق "البديل عبر حركة موازية"، بعد فشل خلق الاستبدال..
ولم يكن نجاح الخالد ياسر عرفات وقيادة الثورة والمنظمة، في رسم أول حالة كيانية فلسطينية فوق أرض فلسطين عام 1994، نتيجة اتفاق أوسلو في آب 1993، سوى ضربة إستراتيجية للمشروع الأمريكي، وكان لا بد أن يدفع طرفي الاتفاق ثمنا لذلك "الإختراق الاستراتيجي"، بدأت بالتآمر مع "عصارة اليمين الفاشي" في دولة الكيان لاغتيال اسحق رابين رئيس وزراء اسرائيل، شريك ابو عمار في الاتفاق..
ضربة رسمت بداية النهاية العملية لاتفاق أوسلو وتطوره نحو انهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطين في حدود 1967 مقابل السلام، اي "دولة مقابل السلام" وليس "أرض مقابل السلام"، كما تلاعب الفريق الأمريكي بقصد تشويه العملية السياسية، وكأن الأرض "يهودية" يتم التخلي عنها مقبل السلام..
وكان لواشنطن ما أردات بفوز "اليمين الفاشي" بالانتخابات الاسرائيلية عام 1996، تحالف نتنياهو – شارون، ومنذ ذلك الوقت بدأ الرئيس ياسر عرفات يعيد صياغة "الحركة السياسية" لترسيخ ما يمكن ترسيخه من "وقائع كي لا يمكن هدم الكيانية الوليدة"، كونه أدرك أن إغتيال رابين هو "إغتيال السلام والاتفاق"، وأن "حلف نتنياهو - شارون" هو "تحالف الشر السياسي".
وبعد سنوات عدة، في عام 2000 أعلنت دولة الكيان رسميا حربها العدوانية على "الكيانية الفلسطينية" والخالد ياسر عرفات، بعد أن أفشل التحالف الأمريكي - الاسرائيلي قمة كمب ديفيد 2000، حرب عدوانية أكملها الارهابي ومجرم الحرب شارون بحصار الخالد ابو عمار عام 2002، وتدمير كل مؤسسات السلطة أمنا وسياسيا، الى أن وصل لتحقيق "الحلم المراد" بتصفية أب الوطنية الفلسطينية المعاصرة في 11نوفمبر 2004 (مفارقة غريبة ان اغتيال رابين كان أيضا في نوفمبر ووعد بلفور في نوفمبر)..
ومع تصفية الخالد، بدأت المرحلة الثالثة من الخلاص النهائي من جوهر اتفاق أوسلو، والبدء بتنفيذ "المخطط البديل"، لخلق "المواز السياسي" لمنظمة التحرير عبر أداة الحكم، بعد أن شجعت ولادتها كمواز تمثيلي في المشهد السياسي..
بدأ تنفيذ "الخطة ب" كما يقال، عبر خروج شارون من قطاع غزة، دون أي ترتيبات سياسية عملية من السلطة الوطنية، ليؤكد أنها ليست "شريكا سياسيا"، وبعد أن أكمل خطته، جاء الدور على أمريكا لإستكمال خطة شارون بخطة سياسية تقوم على قاعدة "ديمقراطية" فأجبرت الرئيس محمود عباس على اجراء الانتخابات العامة 2006، وهي على يقين مطق أن فتح لن تفوز، وأن حركة حماس، التي طلب منها عبر قطر أن تستعد هي الفائز..
وحققوا الأمنية الثالثة، بعد خلاصهم من رابين ثم خلاصهم من ياسر عرفات طرفي اتفاق أوسلو، ليكون البدء من الخلاص بطرف أوسلو الفلسطيني، فازت حماس وذهبت بعيدا الى حيث "الفخ السياسي"، إعتقدت أن الزمن بات لها، لتصبح "الوريث الشرعي" لـ"ممثل الشعب الفلسطيني الشرعي"، فقادت أخطر حالة إنقسامية في التاريخ الوطني عبر "خطفها غزة" لتأسيس "كيانية خاصة"، ولم يكن ذلك عبثا سياسيا، كونها تدرك أن "خطف الضفة" ليس بمقدورها، وهو خارج "النص المفترض له أن يكون"، ومنذ عام 2007 حتتى تاريخه والإنحدار الوطني يتجه سريعا لتحقيق "الحلم الصيهوني" في تهويد ما يمكن لهم تهويده في الضفة والقدس، لاحياء "مملكتهم المزعومة" فيما تساهم بقوة غير عادية نحو بلورة "دولة غزة"..بعيدا عن كل ما يقال هنا أو هناك,..فالواقع أكبر من الكلام..
اليوم، وبلا مقدمات، قرر الرئيس محمود عباس، اجراء الانتخابات البلدية، دون تشاور وطني حقيقي، وبلا قرار من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير باعتبارها "نظريا" لا زالت خلية القيادة الأولى للشعب، مع أنها عمليا ليست كذلك، قرار يعلم الرئيس عباس يقينا هو وفصيله أن النتائج لن تكون "خيرا سياسيا" للشعب الفلسطيني، مهما كان الفائز فيها..
الانتخابات التي تكون فيها دولة الكيان، اللاعب الرئيسي لن تكون "إنتخابات وطنية" بالمعنى السياسي العام، والقول أن سلطة الاحتلال هي صاحبة التقرير الآن في الضفة للتحكم بالصندوق الانتخابي، ليس عصيا على الادراك، بل هي واضحة بدرجة الإزعاج..
سلطة الاحتلال يمكنها رفع شعبية فصيل ما، عبر شن حملة "عسكرية سياسية" عليه عشية الانتخابات، وهي مسألة تؤدي موضوعيا للتعاطف الشعبي معه، ومن يظن أن الانتخابات البلدية هذا العام هي خدماتية، يكون لا يستحق البقاء في موقعه، أي كان، هي عمليا الوجه الآخر لانتخابات البلديات عام 1976، التي كانت معركة سياسية بكل ما للمعنى من كلمة، بين منظمة التحرير وتحالفها الوطني وقوة الاحتلال وتحالفها الخياني - لا نعلم أين كان فرع الإخوان المسلمين، لاحقا حماس في حينه مصطفا-..
اسرائيل يمكنها وعبر اكمال "صفقة أسرى جديدة مع حماس، أن تقلب الطاولة كليا على رأس فتح والرئيس عباس، لتظهر حماس المخلص والمنقذ والقادر، فيما فتح ورئيسها في موقع العاجز بلا أي إنجاز منذ سنوات..
أكثر من ذلك، تسريبات الجهاز الأمني الاسرائيلي عن تنسيق معلوماتي مع جهاز الأمن الفلسطيني في رصد ومعاقبة عناصر مقاومة تؤدي عمليا رفعا لرصيد حماس مقابل خصما من رصيد فتح..
وذلك كله دون التطرق للوضع الداخلي لحركة فتح، مقابل الوضع الداخلي لحركة حماس، سواء التنظيمي أو المالي، ومؤخرا الإعلامي، حيث حماس تجند شبكة اعلامية هائلة، مواقع وصحف ومحطات تلفزة واذاعات محلية، عدا عن محطاتها "الصديقة"، الى جانب شبكة ناطقين حاضرين فورا للرد، فيما فتح لم يعد لها سوى ناطق واحد، باتت مهمته الرد على ما يقال بقدر المستطاع الانساني، ولكنه لا يقدم ما تريد فتح أصلا..
انتخابات بلدية اسما ولكنها انتخابات سياسية كاملة الأركان، تلك ما تبحث عنه دولة الكيان لاكمال خطتها السابقة..ففوز حماس في بلديات الضفة الرئيسية سيمنح الاحتلال ذريعة أنه انتهى زمن فتح وعباس وبالتالي السلطة الوطنية، ولم يعد هناك "شريك سياسي"، حتى لو خسرت حماس كل بلديات قطاع غزة، فلا قيمة لها اسرائيليا..
اسرائيل تريد انهاء الوجود السياسي للسلطة الوطنية عبر انتخابات باتت ملامحها واضحة، واللاحق ان الضفة ستشهد اعلان ضم المستوطنات الكبرى فيها، كمعالية أدوميم التي تنتظر لحظة اعلان نتيجة الانتخابات لتصبح" مدينة اسرائيلية" وربما "عاصمة مملكة يهودا والسامرة"..
هل بامكان الرئيس عباس ان يتراجع عن قراره، نعم ليس خوفا من حماس، بل حرصا على المشروع الوطني، ولكن ذلك مشروط بتشاور حقيقي مع كل قوى الشعب بما فيها حركتي حماس والجهاد، وأن يذهب الى تنفيذ الخطة الوطنية "أ" بدءا من قرارات المجلس المركزي بتحديد العلاقات كافة مع دولة الاحتلال، ويدرس كيفية تنفيذ قرار الأمم المتحدة الخاص بدولة فلسطين عام 2012..
هناك خطوات عدة بديلا للقرار الكارثي الذي إتخذه الرئيس عباس كما سبق له في قرار الانتخابات عام 2006..
ايهما ينتصر الآن، الخطة الاسرائيلية "ج" أم الخطة الوطينة "أ"..تلك هي المعركة الكبرى!
ملاحظة: تصريحات القيادي الحمساوي الزهار عن أن كل العالم يريد تغيير الرئيس عباس..هل ذلك يشمل دولة الكيان، وهل لديه معلومات بذلك ومن أين حصل عليها. ولتزهر بمعلوماتك يا زهار!
تنويه خاص: القوى الفلسطينية الديمقراطية الخمس، جبهتان وحزب ومبادرة وفدا، نموذج سياسي يجب أن لا يكون انتخابي بلدي فحسب..كل الطرق تقود أن يكون حاضرا وقويا لو أريد لهم!
