تأكل الحروب روح الإنسان، قبل جسده وموارده، وتغذي فيه ضروب القسوة والكراهية، وتزرع بذوراً تسمم العلاقات بين الناس والأقوام، وتستنزف بسعار شره، موارد الأرض، وما أنجز الإنسان من تقدم ونماء، وتهيئ لثقافة جيل يسعى للثأر، ولحرب أخرى تلد حروباً.
تكشف الحروب، عن أسوأ ما لدى الإنسان، من غرائز شريرة فاسدة، وتتولد الحروب في عقول البشر، تفتك بالمشاعر والقوانين، وبحق الإنسان في الحياة والاختلاف والتعايش.
حروب عبثية كثيرة عرفتها البشرية في القرون الماضية، وأحدثها حربان عالميتان، ضحاياهما عشرات الملايين من البشر، وحروب أخرى، نموذجها حرب فيتنام، وأخرى في القارة الهندية، كما عرف إقليمنا العربي الكبير، وإقليمه الفرعي في الجزيرة العربية والخليج، حروباً، تركت خراباً ودماراً، وفوضى وأحقاداً، ونموذجها الحرب العراقية ــ الإيرانية، والتي دامت نحو ثماني سنوات، والغزو الأمريكي للعراق، وتداعيات خطيئة وعبثية وحماقة احتلال الكويت، وغيرها من الحروب الأهلية والبينية، فضلاً عن حروب في أفغانستان.. إلخ.
وها نحن اليوم، أمام كارثة حرب، تنسف فكرة التفاوض والحوار والدبلوماسية، تقودها «ملائكة يمتطون زوبعة، ويوجهون عاصفة»، أصحاب رؤوس «حربجية»، غرَّتها القوة، وأدمنت الحروب، وانتهجت سياسات الغلبة، ومسلكيات التهور والغطرسة.
لا أحد في إقليم الخليج والجزيرة العربية وبر الشام، يفضل استمرار النوم مع القلق والتوجس، والانزلاق إلى حرب، كلفتها من الأرواح والموارد والتنمية والمرارات وخيمة.
نعرف أن في الحروب مصالح وهيمنة وغروراً، تتخفى وراء ذرائع قائمة على تأويلات وافتراضات تكذبها الوقائع في أغلب الأوقات، وكما يقول الفيلسوف الألماني (كانط): «الحروب تخلق من الأشرار أكثر مما تقضي عليهم».
لا أحد ذا عقل، إلا رأى في خيار «شمشون» -عليَّ وعلى أعدائي- خياراً كارثياً بامتياز، ويخدم في نهاية المطاف، مشروع «الفوضى والتقسيم والنزاعات الأهلية المسلحة»، فضلاً عن «تفجير الخرائط» الجغرافية.
يبدو المشهد «الحربي» أمامنا، وهو يبتعد عن طريق الدبلوماسية والتفاوض والحوار وبناء الجسور، ويخرج على سياسات «حسن الجوار» ويميل باتجاه التهور والغطرسة، يبدو مشهداً معقداً، تتسارع فيه الأحداث دون ضوابط ولا بوصلة.
نعم.. تتخبط بوصلة كل أطراف الحرب الدائرة اليوم، وتخطئ الجارة إيران، حينما تتحول إلى مصدر تهديد لجيرانها العرب، وتقوّض جهوداً دبلوماسية لوقف هذه الحرب، وللحيلولة دون توسعها، وسبق أن أدانتها كعدوان على دولة ذات سيادة، وكان العالم وقتها يترقب ثماراً توافقية من خلال المفاوضات الدبلوماسية.
تذكرت السياسي النشط، والصحفي الجسور والمؤلف والممثل والمخرج السينمائي «مايكل مور»، وهو يتحدث في احتفالات «الأوسكار» لعام 2003، بعد ثلاثة أيام من الغزو الأمريكي غير المبرر للعراق، لم يكن في ذهن «مور» أنه سيفوز بالجائزة، ولم يكن يعرف ماذا سيقول عند صعوده إلى المسرح لتسلم جائزته، وفجأة، وجد نفسه يقول: «إننا نعيش في زمن يحكمنا فيه رجل، يرسلنا إلى جبهة الحرب، لأسباب أسطورية»، ضحك الجمهور، وعندها صرخ «مور» وقال: «عار عليك يا بوش.. إنني ضد هذه الحرب العبثية».
حروب عبثية
تاريخ النشر : 2026-03-03 15:39
