أكثر من مليوني مواطن غزي كانوا ينتظرون فتح معبر رفح على أحر من الجمر، ولكن حرارة الإنتظار كانت ممزوجة بقلق شديد وسؤال لا يفارق ذهن المواطنين، وهو هل سيفتح المعبر بالفعل ؟ومتى سيفتح ؟ فكانت رغبة الغزيين بالهجرة موازية لشعارات من تسببوا بدمار غزة، وهي شعارات لا للتهجير، وكالعادة دائما الشعب في واد، والمقاومة في واد آخر، ولا ننسى أن آلاف مؤلفة من المرضى وذو الإعاقات والمصابين بحاجة للسفر وتلقي العلاج، إذا فنحن أمام من يحتاج العلاج ومن له مصلحة أو فرصة عمل أو تعليم بالخارج، وأمام من يرغب بالهجرة للتخلص من واقع غزة الكارثي، وأمام من يبيعون الوهم ويعتبرون أن الهجرة هي مخطط إسرائيلي بحث، ونسوا رغبة الغزيين بالهجرة ليس كارهين للوطن، بل أدركوا أن ليس لهم مكان فيه، فالوطن أصبح رهينة تجار الدم وتجار الوهم وتجار قوت الناس، فما قيمة المواطن الذي لا يملك حرية في الوطن، وهنا بدأت مأساة معبر رفح.
عندما فتح معبر رفح قبل أيام، عمت الفرحة قلوب الغزيين، فأخيرا سيخرجون من ظلام الحرب إلى نور الهجرة(...) ولكن تفاجئوا بأن المعبر إكذوبة كبيرة، وما هو إلا وسيلة عذاب جديدة يستخدمها الإحتلال ضد شعب قد قبل بالهجرة هروبا من الواقع، تبدوا المسألة هكذا، وكأن الإحتلال الذي كان يرغب بهجرة الغزيين، قد غير رأيه عندما علم أن الغزيين نفسهم يرغبون بالهجرة، يبدوا أن الأمر كما سمعنا بالأمثال( رضينا بالهم والهم مش راضي فينا_ رضينا بالهجرة والهجرة مش راضية فينا) فبدأ مشوار العذاب مع فتح المعبر، وأصبحت وسائل الإعلام تنقل معاناة الغزيين على المعبر، سواء عائدون إلى غزة أو مهاجرون منها، فأصبح المعبر يشبه معسكرات الجيش، ومعسكرات الإعتقال، حيث التفتيش والتعذيب والتكبيل بالقيود، والإستفزاز والمساومة، والإنتظار لساعات طويلة، وغيرها من وسائل التعذيب التي حولت حلم الهجرة الى كابوس، والمأساة لن تنتهي طالما أن عدد المغادرين من غزة للعلاج في الخارج عددهم لا يتجاوز العشرات، في حين أن آلاف مؤلفة من الغزيين ينتظرون دورهم للسفر.
لم يكن يعلم الغزيين أن معبر رفح هو ترس في ماكينة الحرب ما بعد الحرب، وحاله سيكون كحال الإعمار، وحال الإنسحاب العسكري من غزة، وحال التوقف عن الخروقات اليومية، وحال إدخال المساعدات، وحال ممارسة لجنة التكنوقراط صلاحيتها في غزة، وحال كل شيئ ينتظره الغزيين في غزة، فالإحتلال اليوم يعمل على مسألة الوقت والمماطلة، وبالطبع كل يوم يمضي من وقتنا كفلسطينيين بدون تقدم أو بدون أي إنجاز، فهو خسارة كبيرة لنا، وهذا بالطبع ما خطط له الإحتلال في مشروع الحرب ما بعد الحرب.
