كتب حسن عصفور/ انتهت مراسم الاحتفالات، رسميا وشعبيا في فلسطين وخارجها، بتوقيع اتفاق المصالحة الوطنية الفلسطينية، وبدأت مرحلة حساب الذات الفصائلية نحو رؤية الكلام والوعود لتصبح أفعالا بعد أن تم تسجيلها أقوالا، صوتا وصورة ووثيقة، دخلت أرشيف التاريخ الفلسطيني، انتهت حفلات الود السياسي، ورأت عموم جماهير الشعب أن المسألة أكثر بساطة في التوقيع، مما قيل لهم عبر السنوات الأربع السوداء، وشاهدوا أن بإمكان جموع (فتح) أن تخرج براياتها 'الصفراء' في قطاع غزة، دون أن تعكر صفو الأمن الداخلي، والذي سيقت بسببه لسنوات طويلة 'مخاوف وهمية'، فيما انطلقت جماهير 'حماس' برايتها الحزبية الخضراء، وجابت ميدان ( المنارة) وساحات غيره في أرجاء الضفة الغربية، دون أن يحدث مكروه للسلطة وشرعيتها السياسية، وفرح الناس وانتهى الأمر بعودة كل حاملي الرايات إلى بيوتهم، وبقيت أحوال السلطة والقائمين عليها حكما وحكومة وأجهزة أمنية في بقايا الوطن، دون أن تهتز..
لا شك أن استحقاقات المصالحة كثيرة جدا، ومعقدة أيضا، أكثر مما تريد العاطفة أن تكون، خاصة وأن الملفات التي وضعت على طاولة البحث عديدة وبعضها شائك إلى حد يصيب البعض بهلع مبكر، بعد أن أمهر طرفي الأزمة ومعهم فصائل غيرهما التواقيع على التفاهمات والوثيقة، لكنهم أزاحوا السلاح الأمضى لعلاج الخلل - سلاح الانتخابات - إلى العام 2012، سنة إضافية من المعاناة ولكنها ستكون معاناة في ظل ' تقسيم توافقي' وليس الانقسام الأسود كما قيل، خيار فلسطيني قد يكون سابقة سياسية تضاف لسجل' السوابق' التي تحتفظ بها الذاكرة الفلسطينية، ولكنه أصبح الخيار الوحيد الذي يجب البحث به، وتعويضا قد يحتاج المواطن الفلسطيني العمل بأقصى طاقات العمل كي يتم تخفيف ما يمكن تخفيفه من المعاناة السياسية والاجتماعية التي نجمت عن سنوات الكارثة الانقسامية، وهناك عديد المسائل التي يمكنها أن تريح الفلسطيني في الضفة والقطاع، وفي المقدمة منها، منح الحريات وغلق ملف الاعتقال السياسي، وتبييض السجون الفلسطينية من كل من هو بها دون وجه حق، خاصة المعتقلين والمخطوفين من أبناء فتح وحماس، وفصائل أخرى بجريرة التوتر والفئوية، بعد أن أنتج هذا الملف من السلبيات ما ترك بصمات وأبعاد اجتماعية، تحتاج لعلاج مبتكر وبمسؤولية، ومعها السماح لكل من غادر مكانه وبيته العودة دون وضع مطبات وهمية، تحت مسمى وذرائع حزبية أمنية..مع الإدراك أن الذي يتهم هو أيضا متهم، من هنا أو هناك، فلا تتماثلوا مع عدو محتل والذي يحلو له دوما ومع كل بحث لقضية الأسرى، القول عدا، 'من تلوثت أيديهم بالدم'.. أحذروا جدا هذا الجانب عند البحث في علاج مظاهر الانقسام – الانقلاب..
ولأن الناس تعول كثيرا على ما تم التصديق عليه، وتشعر أنه سلاح الضرورة الوطنية في مرحلة المواجهة مع المحتل في ميادين المواجهة بمختلف أشكالها، فإن يوم الخامس عشر من مايو – أيار ( يوم النكبة) القادم، سيكون بمثابة يوم قياس مصداقة التوقيع وإنهاء الانقسام، والموضوع هنا لا ينطلق من تمني أو أمنية، بل يجب أن يكون واقعا وقدرة وإمكانية حقيقية، حيث ينتظر الفلسطيني والعربي، أن تتحول مناسبة ( النكبة) الفلسطينية إلى حدث خاص جدا، ليس من حيث أن يكون يوما للتذكير باغتصاب فلسطين وتشريد أهلها والتآمر غير المسبوق على الوطن والهوية، فتلك مسألة تحدث عاما بعد عام، ولم ينساها أهل فلسطين حيثما حلت رحالهم، لكن الجديد المنتظر في اليوم المذكور، بعد أيام، كيفية أن تنجح القوى الوطنية الفلسطينية بمختلف تكويناتها، بعد أن أنهت انقسامها السياسي، في أن تعيد للكفاح الوطني الفلسطيني بريقه وإشراقته التي اشتاق لها العالم قبل أهل فلسطين، وأن يكون يوم ( النكبة) مناسبة تختلف عن ما سبقها من نشاطات لذات المناسبة، أو ربما يوما يتقارب من ذلك اليوم الذي حدث في العام 2000.
المناسبة وطنية بامتياز، تتصل بكل فلسطيني، لا حزبية ولا فئوية، لا ضفاوية ولا غزاوية، لافتحاوية ولا حمساوية، ولا لمن هم خارجهما، هي للكل الفلسطيني، تأتي في ظروف قد تكون ملائمة جدا ومناسبة لإبراز مخزون الشعب الفلسطيني الثوري والكفاحي، إعادة إنتاج الإيجابي الذي أذابته سنوات الانقسام الكريهة، بل يجب أن تكون كذلك، وأن يصبح يوم( النكبة) بعد مرور 63 عاما عليها، وكأن النكبة حصلت قبل عام، الضرورة تتطلب ذلك، والظروف مساعدة جدا، وربما تكون الأكثر ملائمة لأهل فلسطين للخروج في عمل كفاحي مشرق ومبهر بروحه وطاقته، فالعالم اليوم ينتظر ماذا سيكون للوحدة الجديدة من أثر وتأثير، وكيف سيستفيد النضال الوطني الفلسطيني في مواجهة المحتل من هذه المسألة، وحراك العالم العربي الشعبي، الذي اختزن في ذاكرته تلك الصورة التي لن تمحيها كل أدوات التضليل الإعلامي – السياسي، صورة الفلسطيني الذي أبهر البشرية بانتفاضة شعبية زلزلت الأرض تحت أقدام الغزاة المحتلين، وأنتج التعبير الذي بات رمزا للحرية والعدالة( الانتفاضة)، وحجر الانتفاضة، وفتية الانتفاضة وشبابها الذي كان ملهما لشباب ثورات العرب المعاصرة..
يوم( النكبة) القادم لا يجب أن يكون يوما لتنشيط الذاكرة الفلسطينية بمحاضرة في بداية يوم مدرسي، وليس مهرجانا ليتحدث فيه من لا يملون الكلام المعاد والمستعير بلاغة لغوية ليست مبدعة، وليس حلقة حوارية في محطات فضائية انتشرت في فلسطين غالبها فصائلي بامتياز، وليست مناسبة لتبادل الذكريات والزيارات بين من فقد البيت ومن يجاوره في مكان سكنه المؤقت، أو يوما لإخراج صندوق الذكريات والممتلكات من مفتاح بيت أو صورة أو وثيقة تثبت ملكية ما اغتصبت وصودرت، فتلك مسألة يمكن أن تكون حدثا يوميا بحضوره، قبل النوم أو مع إطلالة نهار، لكن الجديد المرتقب في يوم( النكبة) الـ63 هو أن تخرج جموع القوى الوطنية قيادة لجماهير الشعب ترفع راية واحدة لا غيرها، راية الوطن الفلسطيني ولتندحر كل الرايات الحزبية – الفصائلية التي باتت تثير الاشمئزاز في الولاء لها على حساب راية الوطن، لتخرج القوى والفصائل لتقود الشعب في يوم غضب حقيقي، بعد أن تبين أنهم يستطيعون الخروج بمئات الآلاف لو أرادوا، فاحتفالات الوحدة، وقبلها مهرجانات ' الولاءات' ، وأيام المناسبات الحزبية، أظهرت ذلك، وعليه سيكون يوم 15 مايو – أيار، أول اختبار حقيقي وعملي لولاء الفصائل إلى القضية الفلسطينية، وهل هي حقا لا تزال تشكل أولوية في برامجها، أم هي ستار لحسابات غيرها..
15 أيار – مايو القادم، هو يوم الحساب السياسي لنوايا الوحدة والتوحد عمليا، وهو يوم اختبار لتبيان روح المقاومة الشعبية ومدى حضورها في 'الذات الفلسطينية' المتصادمة مع المشروع الاحتلالي بكل مكوناته، فالاختبار في كيفية العمل بالتوحد مع الحالة السياسية الجديدة لخدمة قضية شعب ووطن، وتجديد البيعة والولاء لقضية الأرض والأهل والهوية..ومنها قد يكون المظهر المقاوم الجديد للشعب الفلسطيني، روحا جديدة في المقاومة الشعبية السلمية في الضفة والقطاع، لتلتحم مع أهل فلسطين الذين تجذروا فوق تراب بلادهم في أرض فلسطين التاريخية، في الجليل والمثلث والنقب والساحل الفلسطيني، تمتد روحهم لكل فلسطيني وجد نفسه خارج الوطن – البلد – الكيان في أرجاء المعمورة..
الاختبار الأول للمصالحة هو يوم ( النكبة) ومنه ستكون مؤشرات المسار القادم، وبوصلته السياسية، والكل في انتظار لحظة المصير، وليتها تكون كما يجب أن تكون، يوما لرد الاعتبار لكفاح شعب وثورة وطن..وأن يقال لاحقا.. ما بعد 15 مايو – أيار ليس كما كان قبله..يوم جديد في حياة شعب يتحرك قدما نحو حرية وتحرير ..
ملاحظة: فتحت الإدارة الأمريكية خلال أيام الغضب العربي، سجلا فريدا بجرمها وجرائمها، ونموذجها الفريد في الانتهازية السياسية الصريحة جدا.. وجريمة مقتل بن لادن نموذجها..
تاريخ : 8/5/2011م
