في قلب غابة قديمة جديدة، كانت الشمس تتسلل بخجل بين الأشجار، تاركة الظلال تلهو على الأرض.
هنا وُلد شابان: عدنان في الشرق، وجاك في الغرب.
كانت الغابة واحدة، لكنها احتوت على طريقين مختلفين، ومسارات متناقضة: طريق يزرع النور، وآخر يراقبه من بعيد، ينتظر أن ينهار.
عدنان عاش جائعًا ممزقًا، لكنه نهض يومًا بإلهامٍ ونور من السماء:
هيا، اقرأ، تعلّم، ابنِ، عمّر، ازرع، واكتشف.
فأشرق شرق الغابة بالعلم والعمران؛ انتشرت المدارس، ارتفعت المآذن، ازدهرت التجارة، وامتلأت الأرض بالثمار.
أما جاك، فقد عاش في ظلمات غابته، يراقب الشرق بعينين متناقضتين: عين تعجب بما يرى، وأخرى تحقد على ما يُنجز.
وحين عجز عن اللحاق، لم يجد أمامه إلا أن يضع العراقيل والعوائق.
سقط عدنان مرةً بنزاع، وأخرى بفتنة، ثم نهض من جديد، حتى جاءت الضربة الكبرى التي أذهبت عقله وأفقدته البصيرة.
عاد عدنان يجلد نفسه:
"كنا… فعلنا… صنعنا…"
لكن الحاضر صار عنده سوادًا بلا معنى، وأمجاده لم تعد سوى أناشيد جوفاء يرددها للتسلية.
وجاك، بدهائه، تسلل إلى أرض الشرق.
وقف بين الآبار والطرقات، يتفحصها بإعجاب، ويدوّن ملاحظاته بدقة.
بدأ من حيث انتهى عدنان، وحرص على إبقاء عدنان في صدمته، وشيئًا فشيئًا صار الغرب هو سيد الغابة، بينما الشرق لا يملك إلا أن يستهلك ما ينتجه الآخر.
المفارقة الساخرة
عدنان – الذي كان يومًا معلم الغابة – صار تلميذًا كسولًا يجلس على موائد جاك، يلوك الخبز الأجنبي ويقول بفمٍ ممتلئ:
"نحن الذين علّمناكم، نحن الذين أعطيناكم…" ولم يتعلم من غيره مِمَّن سقطوا ونهضوا، ولا حتى من نهوضه الأول، ولم يكلّف نفسه البحث عن سبل التعافي.
والغابة تضحك من خلف الأشجار
فهي تعلم أن الحضارات لا تسقط لأن غيرها أقوى… بل لأنها حين تنشغل بجلد ذاتها، وتنكفئ على نفسها، تفتح الباب لغيرها كي يسود.
الشرق والغرب... الظل الذي تغلّب على النور
تاريخ النشر : 2025-09-08 14:30
